عن اللغة والترجمة
هذه هي مقدمة آخر كتبي وهو ترجمة مجموعة قصصية للكاتب الكرواتي ضامير قراقاش
المجموعة من نشر دار الكلمة بالقاهرة
مدخل-عن ذكريات صبا ولى:
اتذكر جيدا البرنامج الأذاعي "لغتنا الجميلة" الذي كنت استمع له في السبعينيات و انا اطالع كتب التشريح و علم وظائف الاعضاء، محاولا التركيز في بدايات العضلات و نهاياتها و علاقات الاجهزة والهرمونات والمحفزات، فاجدني اصغي في انتباه الى كلمات عميد الادب العربي التي يبدء بها البرنامج و التي مازلت اذكر نطقه لها بطريقته المحببة" لغتنا العربية يسر لا عسر و نحن نملكها كما كان القدماء يملكونها"....
حين تحضرني تلك الذكريات اجدني افكر في اشياء كثيرة كنت اعتقد وقتها انها عين الحق ثم تغير رأيي مع مرور الزمن و صرت ارى الكثير من المشاكل فيها بل و ارى بعضها على انها باطل الاباطيل...
من هذه الاشياء قضية استخدام اللهجة المحكية في الكتابة.
لكن قبل الاسترسال في ذكريات صبا وشباب اتصور ان الاجدى هو التوقف عند هذه القضية التي كنت اخال انها شائكة و اعتقد انها لم تعد كذلك.
بداية كنت ارى ان استخدام اللهجة العامية( او المحكية كما افضل ان اسميها الآن) حدث جلل و خطب شديد...و كنت اعتقد انها مؤامرة لتدمير العربية و الخ الخ الخ...
الآن لا اعتقد ان الامر كذلك على الاطلاق و اتصور ان لغتنا العربية ملك لنا كما كانت ملك للقدماء من قبلنا....
ما سأحاوله هنا هو مجرد طرح تساؤلات وليس عرض نظرية ...و هو مجموعة افكار و قضايا شغلتني منذ زمن و ايضا عاودتني كثيرا و حاولت التعامل معها في كتابات متعددة. و مؤخرا فرضت نفسها عليّ بشكل عملي حين واجهتني مشكلة ترجمة الكاتب الصديق ضامر قراقاش القاص و الروائي الكرواتي.
لقد راينا كيف دخلت الفاظ وصياغات من اللغة المحكية الى المكتوبة مع التطور الهائل في القصة العربية القصيرة في ستينيات القرن الماضي. تطور لغة السرد و استخدام آليات و اساليب مستعارة من فنون اخرى طور من الالفاظ المستخدمة ومن طريقة الكتابة . على سبيل المثال استخدام ابراهيم اصلان و بهاء طاهر لالفاظ دارجة محكية في حوارات ابطال قصصهم مثلما الحال في مجموعة خلوة الغلبان لاصلان و مجموعة طاهر الاولى الخطوبة. هنا سنتجاوز عن مرحلة سبقت تلك المرحلة الا وهي مرحلة نجيب محفوظ و يوسف ادريس ويحيى حقي و توفيق الحكيم و محمود البدوي و عادل كامل و فكرة اللغة الثالثة او العربية البسيطة . فما يعنيني اساسا هو اللغة المحكية و هنا اود ان نلاحظ ان هناك عملا هاما ظهر متزامنا مع مرحلة اللغة الثالثة هذه وكان مكتوبا باللغة المحكية بالكامل وهو قنطرة الذي كفر للدكتور مصطفى مشرفة. تراتبية هذه المراحل و تطور استخدام اللغة المحكية في السرد ومن ثم الترجمة هو ما ساحاول ان ارصده رصدا سريعا في الجزء التالي.
مراحل تطور السرد المكتوب في القرن العشرين- محاولة اولية في التصنيف
في تقديري ان القرن العشرين شهد عدة مراحل في ما يمكن ان يسمى بعملية تطور استخدام اللغة المحكية في السرد. بداية شهدنا مرحلة الاغراق في المحسنات والالفاظ وما اسماه يحيى حقي ( لغة المن ثمات والبيدأنات) من علامات هذه المرحلة المنفلوطي . واكبت هذه المرحلة على مستوى الترجمة حركة ترجمة نشطة هي استمرار لحركة الترجمة في القرن التاسع عشر و نتيجة للبعثات الكثيرة مع ازدياد التواصل بين المنطقة العربية و اوروبا.
و كان من اهم ثمرات هذه المرحلة على المستوى المؤسسي تاسيس هيئة التأليف و الترجمة و النشر و التي قدمت للمكتبة العربية عشرات الكتب الهامة و كانت مدرسة حقيقية للمترجمين من بعدها و نذكر هنا من بين المترجمين على سبيل المثال لا الحصر محمد بدران و حسين مؤنس و عبد الحميد يونس و عبد الغفار مكاوي و سمير سرحان و محمد عناني وعبد الحميد بدوي غيرهم.
ثم شاهدنا مرحلة اللغة الثالثة و كتابات يوسف ادريس و يحيى حقي و توفيق الحكيم وغيرهم واستمرت مع هذه المرحلة الترجمة على نفس القدر من الجودة و الرصانة وهذا ما دعاني لذكر اسماء مترجمين من اجيال متعاقبة
كان التطور الاهم في تقديري في لغة السرد هو بداية تطعيم القصة العربية ببعض من الالفاظ المحكية كما ذكرنا و تطور هذا بشكل كبير مع كتاب بدءوا في السبعينات و الثمانينات مثل محمد حسان و احمد والي و يوسف ابو ريا ومرسي سلطان و هذا ايضا على سبيل المثال لا الحصر. في المقابل لم يحدث ان استخدمت اللهجات المحكية في الترجمة و في تصوري ان هذا كان اساسا للخوف الكبير من فعل هذا. و كمثال فبالرغم من جمال ترجمة غالب هلسا لرواية سالنجر "الحارس في حقل الشوفان" الا ان الترجمة تفقد النص هذا جزء كبير من قيمته لان الاضافة الكبرى في النص هي نحت الفاظ جديدة و القدرة على استخدام اللهجة الامريكية المحكية و تجاوز الانجليزية العيارية.
في المقابل نجد ان تمصير العديد من المسرحيات قد اثرى اللهجة المحكية و كتابتها على يد اجيال متوالية من بديع خيري الى بهجت قمر و مرورا بابو السعود الابياري و السيد بدير وغيرهم .
وقد حاولت تقديم تجربة مماثلة في الترجمة في مسرحيتي الكاتب السلوفيني ايفالد فليسار "نورا نورا" و "الكوكب الحادي عشر".
اعتقد ان هذا يعود لان ترجمة المسرحية هدفها الاساس هو ان تمثل وتعرض و ان كانت الترجمة للعربية السلسة او اللغة الثالثة قد اخرجت لنا مسرحيات رائعة كثيرة في سلسلتي المسرح العالمي و روائع المسرحيات العالمية . و اود ان اقول هنا اني اغفلت عمدا التجارب الاخرى في مختلف الدول العربية وقصرت الحديث على مصر لاسباب عديدة اهمها محدودية العرض هنا و ايضا لان الهدف هو طرح اسئلة وتساؤلات اكثر من تقديم بحث علمي محدد. بمعنى ان هذه المقدمة تؤدي غرضها ان ادت لبحث علمي محدد الغرض و الخطة في اي مكان لانها عندئذ تكون قد استثارت الشهية لدى الباحثين على طرق هذه المناطق المحرمة على حد علمي.
لكن اتصور ايضا ان الترجمات كانت عن لغات بها نفس الازدواجية اللغوية مكتوب / محكي و لذا كان من المشروع للمترجم استخدام الفاظ عربية غير محكية لترجمة الفاظ محكية في الاعمال التي ترجمت .
الترجمة من لغة لا توجد بها ازدواجية محكي / مكتوب- تجربة ترجمة ضامر قراقاش:
المشكلة تبدأ عندما تخلو اللغة المترجم منها من الازدواجية تلك . وتلك هي الحال في اللغة الكرواتية. اللغة الكرواتية لغة شابة وهي تتشابه كثيرا مع البوسنية و الصربية حتى ان ابنتي الصغيرة عائشة كانت تشاهد فيلم رسوم متحركة مدبلج للصربية و عندما ارادت ان تطلبه مني قالت لي اريد هذا الفيلم الذي كان يتحدث بالكرواتية التي لا تسمى الكرواتية!!!
هذا التشابه و الاختلاف اقليمي بمعنى ان هناك لهجة خاصة لكل اقليم من اقليمي كرواتيا الكبيرين دلماشيا اي الاقليم الساحلي و سلافونيا اي الاقليم القاري و هناك لهجة خاصة لزغرب بل في كل اقليم هناك لهجات متعددة بداخله مثلا سكان فاراجدين وهي مدينة قريبة جدا من زغرب لهم لهجتهم الخاصة جدا و سكان جزر البحر الادرياتيكي ايضا لهم لهجتهم التي قد لايفهمها اهل زغرب بل احيانا لا يفهمها اهل دلماشيا انفسهم ...
الحاصل ان هذا التنوع ينعكس في الكتابة بمعنى ان كل هذه اللهجات المحكية لا تمثل عاميات بل هي مكتوبة. بل ان النقاد هنا في كرواتيا يعتبرون ان استخدام هذه اللهجات هو نوع من التطوير ومن خصوصية الكاتب .
و عندما يريد المترجم تحويل قصص مكتوبة اساسا بهذه اللهجات الى العربية يو اجه مشكلة التعامل مع هذه اللهجات وهو ماحدث معي عندما بدات في ترجمة مجموعة اسكيمو لضامير قراقاش. .هل عليّ ان أحولها الى العربية الفصحى لكن لو فعل هذا تفقد القصص معناها تماما ...هل استخدم اللهجة المحكية كليةواتبع طريق الدكتور مصطفى مشرفة في قنطرة الذي كفر؟؟ لكن هذا ايضا لا يحل المشكلة فالقصة بها مستويين . مستوى السرد حيث صوت الراوي هو السائد وهنا نراه يستخدم الكرواتية بالطريقة التي يدعونها هنا الكرواتية العيارية . و المستوى الآخر هو مستوى الحوار الذي يستخدم فيه لهجة محلية مغرقة في محليتها وبمستويات متعددة تكسب الشخصية سمات اجتماعية وجغرافية و بيئية.
وجدت ان الحل الاقرب للصواب في تقديري هو استخدام العربية الفصحى في السرد و استخدام لهجات محلية محكية في الحوار بل و استخدام ترجمات للاسماء لاعطائها هذا البعد الذي يريده الكاتب .
بمعنى ان التجربة هنا في المزج بين المكتوب / المحكي تقوم اساسا على البعد الدرامي الذي اراده الكاتب اي انني كمترجم اقوم بتحويل نص الكاتب بكل ما يحمله من مستدعيات الى مقابل عربي له مع محاولة الحفاظ على هذه المستدعيات قدر الامكان.
