


الجزء الثالث
قراءة في قاموس التنمية
المساعـدة: ماريان جرونماير: مدرسة بالجامعة الألمانية – عملت في حركات السلام والعالم الثالث، وحفزها هذا على البحث في الأسس الخفية وراء الإجماع الجماهيري، وهي تبحث عن فكرة "سطوة السلطة وبريقها"، و"نظرية الحاجات" بوصفها نظرية سلطوية؟
في البداية تقرر "جرونماير": "أن تلك الأزمنة الذهبية التي كانت المساعدة فيها تساعد حقا، وخاصة في شكل "العون التنموي"، قد مضت إلى غير رجعة... فاليوم يمكن قبول المساعدة فقط؛ إن صحبها تهديدات، ومن تتهدده المساعدة عليه أن يأخذ حذره". وتكمل: "منذ ما يزيد على مائة عام خلت... كتب "هنري ديفيد ثورو": لو عرفت أن ثمة شخص قادم لمنزلي، وفي ضميره أن يعاونني ويفعل الخير لي... لجريت إنقاذاً لحياتي... خشية أن يحدث بعض خيره لي". المساعدة عند "جرونماير" هي تهديد، وترهيب، وسلف للخطر المحدق. وهي ترى
التناقض، في هذه البداية التي ترمي إلى تخويف القارئ وصدمه قبل كل شيء، فتتساءل "المساعدة تهديد وسلف للخطر؟ يا له من تناقض !".
وهي تلجأ لحل التناقض إلى البعد التاريخي للكلمة قبل تحليلها لغويا على المستوى الحاضر. فتقول: "لقد استقر خاتم المساعدة المرغوب في ضمير الناس. من ثم يظهر لهم العون، وتلوح لهم المساعدة بريئة دائما رغم أنها قد غيرت ألوانها، وصارت خاصية من خواص السلطة، ولكنها خاصية براقة".
المساعدة في معناها الأصلي عند "جرونماير" هي من أعمال الرحمة في لحظة عفوية، وآنية، وغير مخططة، وربط فعل المساعدة بعدم التخطيط مهم جدا؛ إذ إن آنيته هي التي تعطي للفعل البعد العفوي؛ وهذا بدوره يؤكد شكل الرحمة، أي بعبارة أخرى: عدم انتظار الجزاء ممن يتلقى المساعدة وإنما الفعل هو رحمة في ذاتها، مستمدة من رحمة الخالق عز وجل. وعدم انتظار الجزاء ممن يتلقى المساعدة يترتب عليه عدم وجود شروط مسبقة للمساعدة، وهو الأمر الضمني المترتب على فعل المساعدة العفوي الآني الرحيم. "لقد ارتبط فعل الرحمة هذا في الضمير المسيحي بصورة الفقير الذي يتلقى المساعدة، لكنه في الواقع قديس أو ملاك من ملائكة الرب، حتى إن الملوك كانوا يحتفظون بعدد ضخم من الشحاذين في بلاطاتهم؛ ليعطوهم الطعام والكساء والمسكن. لم تكن النظرة مترفعة، أو متعالية على الفقراء والشحاذين؛ بل كان ثمة بعد تأملي خوفا على مستقبل روح المرء، وانتظارا لرحمة ومغفرة من الرب. إن الفقير كان فرصة مرغوبة للاهتمام بخلاص روح المرء بدون أن يكون المرء فقيرا.ومع ازدياد العلمنة نقص الخوف على مصير روح المرء. وازداد عدد الفقراء مع ازدياد دور الاقتصاد؛ ففقدوا بريقهم وشعبيتهم؛ وفقد الأقوياء استعدادهم للمساعدة الرحيمة". علينا ان نرى هنا ان جرونماير تربط بين فعل المساعدة وبين بعده الديني وهو ما نراه في تشابه شروط الفعل عند اليهود والمسيحيين والمسلمين.. الفعل لابد ان يكون مجردا من الشروط متعاليا عن فكرة الرد المباشر و آني وسري...ومن ثم تتحول جرونماير الى رؤية فعل المساعدة في اطار الرؤية التنموية بوصفه عملا مجردا من الرحمة اساسا
اي انها تحول الفعل الى دال فقد مدلوله الاساسي عبر تتبع تطور الدلالة تاريخيا....
عندما تربط "جرونماير" بين هذا التطور الذي يؤدي الى فقدان الدلالة ، وبين التغير الدلالي الذي طرأ على فعل المساعدة، إنما تفعل هذا في إطار فكرة السلطة الدنيوية في ذاتها، وفي إطار رؤية السيطرة على العالم والتحكم فيه؛ تلك الرؤية التي تلغي الآخر وتستبعده؛ لأنه لا يماثل الذات. ومن ثم تنبهنا "جرونماير" لمفهوم المساعدة كمتغير دلالي في خضم الخطاب التنموي قائلة:"في نطاق العون التنموي فقد وصل التحريف في مفهوم المساعدة إلى حدود قصوى. فحتى بناء ما يصل إلى آلات إبادة البشر عالية التكاليف – على أرض أجنبية – وهو الأمر الضار والمدمر على كافة المستويات اقتصاديا وسياسيا وأخلاقياً للدول المستقبلة يدعونه الآن مساعدة عسكرية"، ويا لها من مساعدة !!
وتوضح لنا في عبارة موحية المصير الذي وصل إليه الفقراء، والذي يعبر عن تطور معنى المساعدة في خضم التطور التاريخي لعمليات نزع البعد الروحي فتقول: "في القرن السادس عشر كان الشحاذ يأخذ ما فيه نصيبه، ويطعم ثم يطرد. في بداية القرن السابع عشر كان يكرم، ثم تحلق له رأسه، ثم يطرد. بعدئذ كان يجلد، وقرب نهاية هذا القرن وصل القهر لمداه واعتبر الشحاذ أو السائل المحروم مجرما".
لقد حدث إذن تحديث في مفهوم المساعدة فبعد أن كان السائل هو الملاك أو القديس المحبوب من الله، وكان الفعل رحمة صار السائل عبثا، والفعل منا. ثم صار السائل مكروها ووباء ينبغي الحذر منه وتعريفه. ثم صار متهما يجلد، وانتفى فعل المن حتى تم تحول السائل إلى مجرم، وتدخلت الدولة لسن القوانين لمعاقبته. وتضع "جرونماير" هذا التطور في إطار العلاقة بين الفرد والمجتمع في أوروبا، ودور الكنيسة في هذا مع عصر غزو الأمريكتين، واستعباد الهنود باسم تنويرهم وتخليصهم؛ أي باسم مساعدتهم؛ أي إعطاء الفعل الاستعماري الإرهابي مضموناً رحيماً. وتفريغ الفعل الرحيم من مضمونه بل إلغائه. وهي ترى أن هذا الإلغاء قد تم من جراء التصنيع والحاجة المتزايدة للبشر والعمل، ولتكوين قوة احتياطية للعمل تحت الطلب دائما من ثم كان تدخل الدولة لإجبار السائلين على العمل بلا رحمة، وكان من الضروري غياب فعل الرحمة من الوجود في ذاته. لقد تغيرت المساعدة إذن من فعل رحيم عفوي إلى عمل مقنن مشروط منظم، في إطار مؤسسة الدولة.
وتقول "جرونماير":"إن المساعدة الحديثة قد تعلمت درسها التاريخي، فامتصت داخل مفهوم المساعدة كل التشوهات التي تراكمت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. فتعلمت أن تكون محسوبة مقننة. والآن المصلحة الذاتية هي العامل الحاسم، والشرط الأساسي للمساعدة، والتي تسمى من أجل التخلص من شبهة الاستغلال المقيتة: البناءة والمستنيرة. وورثت العالمية من فكرة التبشير المسيحية، وقبلت تحدي الشمولية العالمية وفهمت تخصصها المذهل بوصفها أداة تدريب، ووصفت لنفسها متطلبات العمل المنظم والإنتاج المقنن والوفير، وهو بالطبع على نطاق عالمي. وأخيرا رمت غلالة الرحمة، وقبلت ضرورة الدقة، وتأييد الدولة".
في هذا الاطار يمكنني ان اوصي بمشاهدة فيلم فتاة المقهى من انتاج 2005
"لقد صارت المساعدة الآن على حد تعبير "بيرسون" هي تعبئة الإرادة للقطيعة مع الماضي". وتكمل "جرونماير" هذه الصورة باستعارة من المؤرخ الثقافي "أ.فريدل" عندما حاول تحديد تاريخ الحداثة تحديدا دقيقا فقال: "إن عام ولادة مفهوم الشخص الحديث هو عام 1348 أي عام الموت الأسود". وتكمل "الحداثة عنده تبدأ بمرض عضال أصاب الإنسانية الأوروبية".
هنا إلى فعل يهدف إلى إنقاذ الذات من هذا الآخر المجهول عن طريق تحويله إلى مشابه في المشروع القياسي. "أنقذوا معاييرنا" هي صرخة المساعدة الحديثة التنموية، وليس "أنقذوا أرواحنا".
من هذا المنظور الذي يرى المساعدة في إطار مشروع التوحيد القياسي الغربي تقدم "جرونماير" نقدا حادا لقانون التطور غير المتكافئ وهو أحد القوانين الأساسية في نظرية التنمية الماركسية فتقول: "يصرح تقرير بيرسون بأن شارع التاريخ وهو نتيجة أساسية للتقنية الحديثة قد غير من مفهوم المصلحة القومية تغييرا جذريا... وعلينا أن نظهر انشغالا عاما بالمشاكل العامة لكل البشر وعمومهم" إن النظر لشارع التاريخ على أنه حقيقة واقعة مثبتة يجعل من الضروري النظر للعالم وسكانه على أنه المجتمع العالمي والقرية العالمية. وليس العكس: فعلى الإنسانية أن يعاد تشكيلها لتصبح "المجتمع العالمي" من أجل إطلاق العنان لشارع التقدم". وتحاول "مايرون جرونماير" أن تفك الشفرة الكامنة في هذا الخطاب المتوجه نحو التوحيد القياسي للبشر، وإلغاء الفروق الثقافية الإنسانية، وتصل إلى لب المساعدة كعملية إجبار للآخر على التشكل على نفس نسق الذات. وتضع هذا في المنظور التاريخي المعاصر من خلال دراسة المساعدات الأمريكية لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكيف ساعدت هذه المساعدات على إنعاش الاقتصاد الأمريكي، وإعادة توجيهه نحو مهمات السلام والإنتاج بعد الحرب. "فإعادة بناء أوروبا الصناعية تخلق طلبا كافيا على البضائع المصنعة في الولايات المتحدة". أيضا توجه النظر لاستخدام المساعدة كسلاح سياسي حيث تصبح المساعدة هي المساعدة ضد الشيوعية إلى حين سقوط الدولة الشمولية في أوروبا الشرقية عام 1989 أو في الاتحاد السوفيتي 1991، ويصبح واجب الشعب الأمريكي "هو قيادة العالم الحر". والمساعدة هي دوره الذي يلعبه، والثمن الذي يدفعه لأداء هذا الدور. وتوضح "جرونماير" أنه خلف نداء "كيندي" للشعب الأمريكي تكمن فكرة نهاية التاريخ التي تصاحب دائما عملية التفكير الخطية والتي تتفق مع رؤية الذات على أنها مركز الكون. فحيث أن علينا أن نساعد الناس لكي يلحقوا بنا، فهذا يتضمن أننا قد وصلنا إلى نهاية
المطاف، وعلى الجميع أن يسعوا للحاق بنا. وتقول "جرونماير" في هذا الصدد: "إن الثقة التي بها يظن البشر في حقبة معينة أنهم قد امتلكوا الكون، ووصلوا إلى الصياغة النهائية للتاريخ هي ما يحمي هؤلاء البشر من الوعي غير المقبول، وغير المحتمل بالضياع في الوجود الزمني".
تنتقل "جرونماير" بعدئذ إلى مناقشة دور الكنيسة في المساعدة التنموية، وكيف أن المساعدة قد اتخذت شكل الخدمة التي تساعد على التصنيع؛ أي أن المساعدة توجه ضد كل ما يعوق التصنيع. فكل ما يقف في وجه التصنيع يعني أنه يقف في وجه التحديث، وكل ما يقف في وجه التحديث يخلق الاحتياج ويخلق العوز والفاقة. وبالتالي يجب تدميره، وبالتالي تصبح المساعدة أداة في يد لعبة السطوة السياسية، ومبررا للتدخل، وتدمير الأشكال المجتمعية التقليدية بحجة أنها تقف في وجه التحديث. ولا تقف "جرونماير" عند هذه النقطة فهي تبحث أيضا العلاقة بين معطي المساعدة ومستقبلها في إطار "مشكلة الإعطاء والاستقبال" كما تسميها "حيث تتخلق مشكلة التفوق والدونية التي توجد عند المساعدة، "خجل المستقبل وعجرفة المعطي". وهذا يزيد من مشكلة المساعدة ومن المعاني السيئة التي تحملها.
تطرح "جرونماير" بعدئذ فكرة الحوار بين الثقافات والمشاركة والتعاون بين البشر، "فكل ثقافة قد أدركت عددا محدودا من الإمكانات الإنسانية" كفكرة بديلة عن المساعدة سيئة السمعة.
وتختتم "جرونماير" مقالها بمقتطف من "هربرت اختربنوخ" "فالعالم الواحد مفهوم إمبريالي. فحيثما أعيش قد صار العالم. كانت بافاريا هنا. ثم صار العالم هو الحاكم. وخضعت بافاريا وأوغندا أو الكونغو للعالم وحكمها العالم... وكلما استمر حكم العالم سينهار العالم ويدمر".
السوق: - "جيرار برتو" باحث في التاريخ والأنثروبولوجية وخاصة في مجال السوق كمؤسسة وكفكرة، ويعمل أستاذا في معهد الأنثروبولوجية وعلم الاجتماع في جامعة لوزان، ويشارك في تحرير MUASSوهي دورية فصلية تصدر في باريس تحث على نقد الأيديولوجية الاقتصادية.
"من الأطروحات السائدة والمنتشرة انتشارا واسعا أننا قد دخلنا مع قدوم الثمانينات عصر اليمين الجديد أو الثورة المحافظة. وفي هذه الحقبة الجديدة لا يعتبر السوق وسيلة تقنية لتوزيع وتخصيص البضائع والخدمات، لكنه يعتبر الطريق الوحيد الممكن للتحكم في المجتمع وضبطه" "ولا شك أن زماننا هذا يتميز بإيمان عميق في قدرات السوق على حل مشاكل العالم التنموية". ويخبرنا "برتو" أن وهم انتصار أيديولوجية السوق قد ازداد بعد انهيار الأنظمة الشمولية في شرق أوروبا. أصبح السوق إذن هو الحل السحري لكل مشاكل المجتمع؛ سواء شرقا أو جنوبا. "وبرتو" بعد أن يؤكد الطابع الاقتصادي لفكرة السوق كمفهوم، وتحول السوق من دلالته الأصلية كمكان للبيع والشراء أي مدلول جغرافي إلى مفهوم اقتصادي. يبدأ في طرح فكرة التحكم في المجتمع وأيديولوجية النمو اللامتناهي؛ بوصفها حلا أوحد وأمثل لكافة المشاكل، وذلك من خلال منظور تاريخي معاصر فيقول طوال العقود الثلاثة الماضية درست فكرة النمو الاقتصادي من عدة اتجاهات مختلفة؛ من منظور اليسار الجديد الراديكالي شديد النقد في الستينيات إلى الترحيب الشديد من قبل مفكري اليمين الجديد في الثمانينيات... والمهم أن فكرة النمو هي مفهوم أساسي في طريقتنا الحديثة في النظر إلى الحياة البشرية. والمظنون أن التوسع الاقتصادي القائم على التجديد التقني هو السبيل الوحيد لحل مشاكل العالم والنمو وحتى عند تخطي معناه الاقتصادي المباشر يظل هو لب مجموعة متراكبة من الأفكار تشكل المنظومة الأساسية للحياة المدنية.
فهي – أي التنمية – في آن واحد تمثل حقيقة مثبتة وعامة، وأيضا تمثل الوسيلة الوحيدة القياسية للوصول للمجتمع الصالح. ومن ثم فمعنى التنمية يتضمن صراحة أو ضمنيا أن طريقة الحياة الغربية هي الوسيلة الوحيدة لضمان السعادة البشرية !
يصل بنا "برتو" إذن إلى لب التحيز في فكرة النمو وبالتالي في مفهوم
السوق بوصفه السبيل الوحيد للنمو. وبعد أن نتوصل لتلك النتيجة التي تربط النمو بالسوق بنمط التفكير الغربي بفكرة التوحيد القياسي. يطرح "برتو" النتيجة المنطقية لقبول النتيجة السابقة، فلو كان السوق هو سبيل النمو، والنمو هو السبيل الوحيد لتحقيق النمط الغربي في الحياة الذي يمثل قمة السعادة البشرية والهدف الأسمى لكل البشر؛ إذن فلا لزوم لكل التاريخ المخالف لهذا الفكر، أي أن السبيل الوحيد للنمو هو التحديث، والتحديث لا يتأتى إلا بقطيعة كاملة مع الماضي، فعلى حد تعبير "ج.ل. سادي": "لا يتفق النمو الاقتصادي لشعب نام مع استمرارية عاداته وتقاليده القديمة. فالتقدم الاقتصادي يفترض مسبقا قطيعة كاملة مع هذه الأخيرة". من ثم يخلص "برتو" إلى نتيجة هامة هي أن الهدف الأساسي للتنمية من البداية ثابت، وما يتغير هو وسيلة تحقيق هذا الامتداد لمفهوم السوق واقتصادياته، أو رأسمالية القطاع الخاص. أو بشكل عام جدا لقد تمت الدعاية للتنمية على يد مؤسستين؛ الدولة والسوق، وكليهما مرتبط ارتباطا وثيقا بمشروع التحديث.
ولعرض تأثير السوق والدولة على المشروع التحديثي، ومن ثم تأثير مشروع التحديث على الفرد في مجتمعات ما يسمى بدول العالم الثالث يحدثنا "برتو" عن التغير في المفاهيم، والذي حدث مع عقد الثمانينيات فيقول: "لقد ظهر لمنظري التنمية أن النمو الاقتصادي في ذاته، وبدون إعادة توزيع الدخل مطلقا سيتيح حل مشكلة الفقر الدرامية على مستوى العالم وبدون فرض أي أعباء على الأغنياء. لقد صارت الكفاءة هي المفهوم المفضل وليس العدل الاجتماعي، وأصبحت الوسيلة التي توصلنا للغاية، وأحيانا الغاية في ذاتها كما يحدث على يد منظري وخبراء الدول في أطروحاتهم بصدد عملية التعديل البنيوي".
ما يطرحه "برتو" هنا هو التغير في المفهوم العملي وإلقاء تبعة الفعل على الفرد لا النظام. فالفرد مطالب بالإنتاج الجيد وزيادة الكفاءة من أجل تحسين أحواله المعيشية، وبذا ينتفي دور الدولة في مفهوم العدالة الاجتماعية، وننتقل إلى دور الدولة كمراقب للفرد، وحاكم لعملية الكفاءة، أي تحول الدولة بكاملها لخدمة الجهاز الاقتصادي.
وما يحذرنا منه "برتو"هو أن النموذجين الاقتصاديين، سواء النموذج الاقتصادي الليبرالي الذي يعتمد على آليات السوق أو الآخر الذي يعتمد على تدخل الدولة والتخطيط إنما يهدفان إلى خلق الإنسان الاقتصادي، وهو كما يرى "برتو": "الإنسان المتمحور حول الذات، المتحرر تماما من كل الالتزامات الأخلاقية أو الاجتماعية" إننا إزاء ما أسماه "د. عبد الوهاب المسيري" الإنسان المتحوسل أي المتحول إلى وسيلة، ويعمل بلا انقطاع للجمع والتكديس. يقول برتو "تعدنا التنمية بوصفها التوسع من خلال عالم التحديث الاقتصادي والتقني بوعود كاذبة أهمها خلق مجتمع عالمي بلا قيود. وتقدم لنا التنمية بوصفها الطريق الوحيد والحتمي للخلاص من العالم البائس وغير الإنساني الذي يعاني من الندرة. وكل هذا يأتي من خلال العمل المستمر بلا توقف بالطبع".
ينتقل"برتو" بعدئذ لعرض تطور فكرة السوق كمكان إلى حين استقرارها كمبدأ، وصياغة المصطلحات السحرية الثلاثة، أو العرض والطلب والسعر. ويؤكد أن السوق كمكان "كان يحتوي بشكل ما على الجوانب الرئيسية لمبدأ السوق" أو أن مصطلحات العرض والطلب والسعر وفكرة الحرية الوهمية للفرد وسلوكه الخاص داخل السوق كلها موجودة بشكل ما في فكرة السوق كمكان للبيع والشراء يتيح للبائعين والمشترين الأحرار انتقاء ما يريدون والاتفاق على ما يريدون. وعندئذ يعزل "برتو" ظاهرة عدم الانتماء – سواء للسلعة أو للفرد – الداخلة ضمنيا في فكرة الحرية. فالفرد حر طالما كان غير محدد الهوية؛ أي أنه حر في عملية تحلله من كل الإلتزامات الأخرى سواء عقدية أو اجتماعية أو أخلاقية، والبضائع حرة عندما تتحول فقط إلى سلعة عامة، أو قيمة سلعية عامة، أو نقود.
ما يخلص إليه "برتو" هو أن قيمة الحرية تتحدد بإلغاء الهوية، وإعلاء القيمة الاقتصادية في ذاتها، أو على حد تعبير "كارل بولاني": "استقلالية المجال الاقتصادي هي التي تخلق ما يسمى السوق كآلية وكمبدأ". ويلخص لنا "برتو" تطور هذه الفكرة فيما أسماه النموذج المتوالي كما يلي: "وللتبسيط يمكننا أن نحدد تطور خطاه في ثلاث خطوات وكلمن هذه الخطوات مرتبة بشكل تاريخي وليس بالضرورة متواليا خطيا. فعلى سبيل المثال قد لا تكون الخطوة الثانية نتيجة طبيعية ولا مباشرة للخطوة الأولى. ومن ثم فمن الأفضل أن نتحدث عن النموذج المتوالي.
أولا: مجتمعات يقتصر مبدأ السوق فيها على مكان وزمان السوق ويتحدد فعلا في التبادل الفرعي فقط.
ثانيا: مجتمعات يوجد فيها قابلية لإدخال الاقتصاد في مؤسسات بدون حدود معينة.
بيد أن الناس الداخلين في الأنشطة تجاريا ينتمون لإحدى الفئات الدنيا، أو التجمعات المحتقرة في المجتمع، أو هم أجانب يتم احتمالهم بيد أنهم محرومون من المكانة الاجتماعية، ومن الأمثلة الكلاسيكية للنموذج الثاني اليونان القديمة والصين في عصر الأسرات والعصور الوسطى في أوروبا.
وأخيرا في المرحلة الثالثة، أو التحديث الاقتصادي تصبح كل محاولات تحديد السوق غير مقبولة، بل مرفوضة تماما. فكل المجتمع ينظر إليه من خلال قوة السوق".
ويمكننا هنا أن نرى فكرة الجماعة الوظيفية عند الدكتور "عبد الوهاب المسيري" في الدور الذي يلعبه الأجانب أو الفئات الداخلة في الأنشطة الاقتصادية المحضة. فالفئات الدنيا تقوم بالدور الرديء؛ ومن ثم يخبرنا هذا أن النشاط الاقتصادي في ذاته لم يكن نشاطا محترما، ومن ثم فالاقتصاد لم يكن المجال الأهم للفعل الإنساني. ومن هنا نرى أن التطور الأهم الذي يشير إليه "برتو" باسم مرحلة التحديث الاقتصادي، هو عملية ارتقاء الاقتصاد إلى أهم مجالات الفعل الإنساني بحيث يصير المجال الأول والأوحد لهذا الفعل.
وهنا يقدم لنا "برتو" تفسيره الطبقي لهذه الظاهرة من خلال ربط الظاهرة بالطبقة الوسطى، فيقول:"في عقلية الطبقة الوسطى؛ فإن البشر المتحضرين هم أولئك البشر المقتنعون بأن "الرغبة في الثروة" هي دافع كوني وطبيعي وعام. وهو يسوق أدلة من كلام "جون ستيورات مل"
و"آدم سميث" منظرا الاقتصاد الأوائل على أن الرغبة في الثروة، والعمل من أجل تكديسها، هي نزعة طبيعية وعامة في البشر. ونلاحظ هنا عملية التعميم باسم الطبيعة، أو التوحيد القياسي التي تميز فكرة الحداثة، وأيضا التأكيد على وحدة النموذج البشري التي هي السمة الأساسية للنموذج البشري التي هي السمة الأساسية للنموذج التنموي. ويؤكد "برتو": "أن نظرة الطبقة المتوسطة للعالم تنحصر في فئتين محددتين تماما من التفكير التقليدي هما الازدواجات التبسيطية بين الأغنياء والفقراء وبين الملاك والعمال" ويستنبط من هذه التقسيمة الاقتصادية للبشر، والتي يربطها بالطبقة الوسطى، "أنها وسيلة ناجحة لتمهيد الطريق لسلوك السوق" ويستشهد هنا "برأي آدم سميث" الذي يرى أن: "الفقراء يكرهون العمل ويحبون الكسل، وعلى العكس منهم فالأغنياء طموحون ومجتهدون" ونلاحظ هنا أن الصفة الاقتصادية فقر وغنى قد ربطت بتركيب طبيعي داخل النفس البشرية: حب وكراهية، أو خنوع وطموح؛ وهذا يوضح ارتفاع القيمة الاقتصادية بين المنظومة القيمية العامة للمجتمع.
عندما يصل "برتو" إلى هذه النتيجة يحاول أن يستخلص منها النتائج التالية لها فيقول:"وبشكل أعم يصبح السوق الخاضع لتقلبات السعر بوصفه مؤسسة اجتماعية شاملة وسيلة وساطة جماعية تربط بين ما يدعي الأفراد الأحرار من خلال أِياء اغترابية. ويصير التبادل في السوق هو وسيلة اتصال هدفها الإبقاء على مسافة بين الأفراد أو إبقاء الآخر على البعد من الذات.. وبمرور الوقت فإن قوى السوق الطاردة، والتقنية المتقدمة تزيد من المسافة بين البشر بعضهم ببعض، وبينهم وبين الطبيعة.
بعد أن يصل بنا "برتو" إلى فكرة تفتيت البشر وإبعادهم عن بعضهم بعضا، ينقلنا إلى فكرة أهم هي تحول السوق إلى حقيقة واقعة طبيعية بغض النظر عما سيأتي من ورائه. السوق والعلوم التقنية الدافعة له. ويؤكد هنا أن ثمة تغير قيمي مصاحب لهذه الفكرة وقبولها حيث "يصير السوق والعلوم التقنية حقائق مثبتة في ذاتها؛ لأنها تحقق أهم الأغراض المنشودة للبشر؛ وهي إنتاج وتوزيع الرخاء المادي على أكبر قدر ممكن. إن عملية التسليع أي تحويل كل شيء لسلعة تعمل على كل مستويات الحياة
الاجتماعية في العالم كله، وذات آثار متنوعة. وهنا نرى المدى الذي وصلت إليه التنمية كسياسة وممارسة في محاولة إجبار الناس على تبني أفكار جديدة، وأفعال مخالفة لمنظوماتهم القديمة. أفكار وأفعال تتفق وقواعد السوق".
ومن ثم يرى "برتو" أن "التنمية منذ الأزمنة الاستعمارية وحتى عصرنا هذا هي أساساً فرض إطار مؤسسى جديد بما يصاحبه من قيم عامة بوصفه الشرط الضروري لديناميات السوق" ويقول:"إنه كلما ازداد نمو الأفراد والجماعات كلما ازداد نضالهم للحصول على المزايا المادية. ورغم أنه يعتقد أن المناطق الريفية ما زالت محصنة بعض الشيء ضد هذا النمو "الإجرامي" على حد تعبيره إلا أنه ليس شديد التفاؤل بصدد استمرار هذه الحصانة.
بعدئذ يقسم برتو نتائج تلك التنمية الإجبارية على البشر إلى ثلاث فئات فيقول: "أولا طبقة ضئيلة من الأغنياء المفرطين الذين يكون بوسعهم مراكمة ثروات طائلة مع الإنفاق البذخي. وثانيا عدد متغير من البشر في القطاع الأوسط والذين يمثلون الطبقات الوسطى التي توازن الإنتاج والاستهلاك. وأخيرا الفقراء الخارجون عن نطاق توزيع الثروة والمشغولون بمشاكل البقاء على قيد الحياة". فعند برتو "تنزع التنمية إلى إنتاج الندرة والنقص عند غالبية البشر؛ مع إنتاجها لوفرة وفائض لأقلية قليلة" وهي "محاولة إلغااء تعددية العلاقات الاجتماعية؛ من أجل الوصول إلى تجانس السوق المطلوب اسنحابه على كل فرد"!
التنمية إذن عند "برتو" هي أداة تحويل البشر إلى الكائن الاقتصادي النفعي الملتزم بآليات السوق ومبادئه.
وهنا يتساءل برتو قائلا: "ما هي حدود السوق، أو هل يجب أن يحتوي المجتمع السوق، أو على العكس يجب ترك السوق لتنظيم الكل الاجتماعي عموما؟" وهنا يطرح سؤالا يراه بديهيا هو "من هو الإنسان حسب قوانين السوق؟".
هناك حكاية تروى عن تطور العالم من وجهة نظر السوق، فالعالم يسير خطيا في تقدم مطرد؛ لكي يصل إلى أن يصير سوقا كبيرا "ووفقا لهذه الحكاية، فقد كان ياما كان... هناك بشر ينقصهم كل شيء، وتلتهمهم نيران شعواء من الرغبات والشهوات التي لا تحصى ولا تعد" وفي هذا الصدد يطرح السوق تعريفه للإنسان، وليس العكس، فالإنسان هو الباحث الدؤوب الذي لا يكل ولا يهدأ عن سعادته المادية ورغبته التي لا تشبع في الامتلاك. فوفقا لـ "آدم سميث" وأتباعه الخلصاء "علينا جميعا أن نتصرف كما لو كنا تجارا لو أردنا حقا أن نتحقق كبشر"، "السوق هو وسيلة الاتصال الاجتماعي الوحيدة حتى بين أقرب الأقرباء". ويكمل "برتو" "وفي هذا الكون المنشئ والذي يضم بضائع مطروحة للجميع؛ فمن المنطقي أن تزداد غربة الأفراد وابتعاد بعضهم عن بعض"، "كما لو كانت العلاقات القريبة أو البعيدة أمرا متساويا أو كما لو أن الفروق بين العلاقات لم تعد مهمة" علاقة كما يصفها "جورج سيمل" "غربة مع النفس، واغتراب متزايد عن الآخر". هنا يقول "برتو" "ومتى عرفنا البشر وفقا لمبدأ النفعية، فلا مجال للتساؤل عن فائدة وقيم التنمية، فلو كان قدر كل فرد أن يراكم أكبر قدر ممكن من الربح، إذن فمن السهل نسبيا أن نحدد ما هي الأمم المتخلفة؟". يقول "برتو" بعدئذ: "إن سيادة عقلية السوق لا تتيح لنا أية فرصة لكي نمارس إنسانيتنا" الفعل الاقتصادي هو المسيطر فأن نتأنسن حسب "المفهوم السوقي" بالمعنيين الممكنين لكلمة "السوقي" كصفة – هو أن نستخدم سوقا لا حد له وتقنية لا حدود عليها، أي أن نصير "إنسانا أحادي البعد" على تعبير "ماركوز" وينهي "برتو" مقاله قائلا "إن المطروح الآن في خضم عملية الافتعال والفردية العامة تلك هو فقدان قدرتنا على إيجاد الحدود الذاتية، وهي الصفة الأساسية للإنسانية، فالإنسان فقط هو القادر على اتخاذ قرار بفرض قيودعلى نفسه وقبولها.
الحاجــات: "أيفان إيليتش": فيلسوف طواف متجول، ولد في فيينا، وعاش معظم حياته في الولايات المتحدة والمكسيك، لفت الانتباه إلى عبثية المؤسسات الحديثة، وخواء الحتميات المعاصرة يعتبر عمله الفلسفي إلهاما للكثير من الباحثين في جميع أرجاء العالم.
يبدأ إيليتش مقاله قائلا: إن الدمار الذي أحدثته التنمية غير خاف على أحد "بيد أن الأصعب على النفس حقا ليس تقبل العيش في خضم هذا التدمير البيئي، وإنما المرعب حقا هو التعايش مع عادات الاحتياج التي خلقتها أربعة عقود تنموية فنيا" تلك الحاجات التي تعمل في مستوى أعمق من مستوى التغير المورفولوجي السطحي الخارجي الذي نراه. إنها حاجات تغير من الطبيعة البشرية "وهي حاجات تعيد تشكيل عقل وحواس الإنسان العاقل إلى عقل وحواس الإنسان المحتاج"، ويخلص "إيليتش" إلى أن ما يدعى بالحاجات الأساسية يجوز أن يمثل أخطر المشكلات التي خلقتها التنمية، وخلفتها لنا.
يرى "إيليتش" أن تحول العامل إلى المحتاج قد حدث عبر قرنين من الزمان، واتخذ أسماء متعددة فأحيانا كان يدعى التقدم، وأحيانا أخرى أطلق عليه النمو وأحيانا ثالثة التنمية. ويمضى فيقول"في هذه العملية العلمانية ادعى البشر أنهم قد اكتشفوا موارد هامة في الحضارة والطبيعية – فيما يعتبر المشاع بينهما – وحولوا تلك الموارد إلى قيم اقتصادية. ويرى "إيليتش" ختام العملية فيما يسميه "تطور الإنسان الاقتصادي إلى الإنسان المحتاج ذلك الإنسان الذي يطلب دائما شيئا ما ويرغب دائما في امتلاك شيء ما ويحركه دائما دافع لقهر شيء ما. هذا الإنسان الذي يفتقد الخيال، وتلهب ظهره سياط الحاجة الدائمة والملحه. تلك السياط التي تحيله إلى إنسان مدمن: "يدمن الطاقة الكهربية، والملابس المصنوعة من نسيج صناعي، والطعام السريع، والسفر" ويقبل ببساطة اعتماده الكامل على بضائع وخدمات يدعوها أحيانا في خداع لنفسه الحاجات الضرورية، ولا يتساءل قط عن ضرورتها تلك.
يقول "إيليتش": "يسهل التخلص من ناطحات السحاب مكيفة الهواء في كل مدن العالم النامي عن التخلص من التطلع الدائم والمتغلغل في نفوس البشر من أجل الحصول على هذا المناخ الصناعي" تلك الرغبة، وذلك التطلع الذي يقدم كل يوم في صورة "الحياة الطبيعية" حيث يصير الطبيعي هو أن تمتلك جهاز تكييف، وتسعى لذلك، وهناك كل السبل المتاحة: تقسيط، مقدمات بسيطة، معارض مهنية...إلخ. المهم أن
"جهاز التكييف" قد صار "ضرورة" وامتلاكك له أصبح "حاجة" ملحة: وعدم حصولك عليه يؤدي إلى إحساس بعدم إشباع "لحاجات ضرورية" وإحباط وبؤس، أي تتحول إلى الإنسان البائس.
هنا يتوقف "إيليتش" قليلا ليخبرنا عن مدى تغلغل هذا الأسلوب الحياتي في أفكارنا ورؤيتنا للعالم:"سيكون من الأسهل جدا الحصول على إجماع دولي في الأمم المتحدة على أن حقبة التنمية قد انتهت، وأنه قد حان الوقت لفصم الرابطة بين الوصول للسلام والعدالة، وبين الإشباع المنظم للحاجات، هذا أسهل جدا من إقناع الناس بفكرة أن الحاجات ما هي إلا عادات اجتماعية اكتسبناها في القرن العشرين، وهي عادة تحتاج إلى الإقلاع عنها، والتخلص منها في القرن القادم".
يمكننا إذن أن نتابع مسيرة "التشيؤ" المسماة بـ "التنمية" وكيف تحوسل كل شيء وكل شخص من أجل تحقيق التراكم الاقتصادي بعد أن حل التشيؤ محل الوجود. ومن هنا يقول "إيليتش":"يمكننا أن نفهم حقبة التنمية على أنها تلك الحقبة التي أقيم فيها "مولد" عالمي للاحتفال الطقسي بانتهاء الضرورة، وكانت تكلفة هذا "المولد" باهظة. من ثم يمكننا أن ننظر للمدارس والمستشفيات والمطارات والسجون والمصحات العقلية والإصلاحيات ووسائل الإعلام على أنها شبكات من المعابد التي بنيت لتقديس تفكيك الضروريات، وإعادة تحويل الرغبات إلى حاجات". معابد مملوءة بأيقونات وأصنام متعددة: الشهادة، الأدوات، الكهرباء، السيارة، السياحة...إلخ. قائمة طويلة من أصنام يقدسها الإنسان البائس ويتطلع إليها باستمرار متلهفا آملا في الحصول عليها، ونيل رضاها... في هذا الإطار المتشيء تماما يحدث تغير هام في تركيبة الإنسان النفسية. تطور يقابله تطور لغوي بالمثل؛ فيتحول الأمل إلى توقعات، فالأمل في الخير يتحول إلى توقع إشباع الرغبات "إن الأمل ينبع من الضرورة التي ترعى الرغبات موجه نحو غير المتوقع والمدهش والمفاجئ... بينما تنبع التوقعات من الحاجات التي تغذي من الوعد بالتنمية، وهي توجه نحو الحقوق والالتزامات والمتطلبات" فيتخلق نظام كامل وعقد اجتماعي ينظم المجتمع على أساس اقتصادي وتبادلي تجاري. كل محاور الاتصال وأشكاله
الأخرى تلغي. يتبقى فقط التبادل والعرض والطلب. وبينما الأمل يعني وجود المطلق المتسامي. نجد أن التوقعات تجعل كل شيء داخل النسق، ونصبح في إطار المحتمل المستقبلي العلمي.
ما يصل بنا إليه "إيليتش" إذن هو أن التغير النفسي واللغوي قد أدى إلى تغيير بنيوي هام في رؤية الإنسان للعالم وللكون. إلغاء الأمل وتحوله تحولا طفرياً إلى توقع يعني استدماج المطلق المتسامي داخل النسق، وهي مرحلة أولى تليها مرحلة الاستغناء عنه لأن قيمة التبادل لم تعد مادية ملموسة وبالتالي صارت غير مقبولة، والخطوة التالية هي إلغاء أي آخر متسامي أو غير متسامي طالما لم يدخل في منظومة الأنا التبادلي. وهذا المفهوم يعبر عنه "إيليتش" كما يلي: "إن الأمل يناشد الآخر المشخصة ورحمته غير المشروطة والعرفية سواء كان هذا الآخر بشرا أم إلها بينما تنبني التوقعات على وظيفة إنسان غير مشخصة تقوم بإشباع الرغبات في الطعام والصحة والتعليم والأمن وغيرها. فالأمل يواجه المجهول والتوقع ينبني على المحتمل؟" ويستمر إيليتش "لقد توقفت الظاهرة البشرية عن تعريف ذاتها من خلال فن معاناة الضرورة فهي تقاس الآن بمعدلات النقص التي تترجم إلى حاجات" إن معدلات النقص وظاهرة القياس في ذاتها هي تعبيرات شديدة الأهمية لأنها تتضمن المعيار الحسابي لتحديد الظاهرة البشرية؛ أي تحول الإنسان إلى قيمة حسابية قابلة للقياس وبالتالي إلغاء البعد الإنساني في الإنسان. إذن تحمل التنمية في داخلها تناقضها الأساسي فبينما هي تعد بتوصيل الإنسان إلى إنسانيته من خلال إلغاء النقص وإشباع الحاجات نجد أن هذا الوعد بالذات يؤدي إلى إلغاء الإنسانية، وتحويل الإنسان إلى قيمة تبادلية.
بعدما يصل "إيليتش" إلى هذا المدى في فضح مفهوم الحاجات عامة وقيمة الدلالية المختلفة المتضمنة في استخداماته الأساسية ينطلق إلى تحليل مفهوم الحاجات في الخطاب التنموي. وهو ينطلق مثل غيره من المفكرين في هذا الكتاب من خطاب "ترومان" الشهير وحسه العام الذي قاده للاعتقاد بأن ثمة قانونا عاما وكونيا للتقدم يمكن تطبيقه على البشرية جمعاء من خلال تطوير الاقتصاد في مختلف الدول ليماثل النموذج الأمريكي مما
دعاه لأن يتكلم عن الحاجة لخلق قاعدة اقتصادية قادرة على ملاقاة توقعات الناس في كل أنحاء العالم والتي أيقظها فيهم العالم المعاصر. هنا يحدثنا "ايتليش" عن الفقر بصفة عامة، وبوصفه "مفهوم عام له تفسير حضاري خاص لضرورة التعايش ضمن حدود ضيقة جدا، وتلك الحدود تختلف في تعريفها في كل مكان وزمان.
إن الفقر هو اسم لأسلوب فريد ومستمر للتعايش البيئي ولتحمل ضرورة تاريخية وليس ضرورة تقنية "هذه الضرورة التي تدعو لتقبل القدر أو القسمة أو النصيب أو إرادة الله قد تآكلت مع انتشار التنوير، وفقدت خلال الجزء الأول من القرن العشرين قدرا كبيرا من مشروعيتها حيث إن التقدم قد صار الاسم العلم للتمرد السياسي والتقني ضد كل الأيديولوجيات التي تقبل دور الضرورة ففي عصر البخار أصبح المهندس هو رمز المحرر أو المخلص، مسيح سيقود البشر لغزو الطبيعة. وبوصول العالم لمشارف القرن العشرين تعرض المجتمع ذاته لعملية هندسية قشرية. بيد أن هذه العملية ما هي إلا الترجمة الاجتماعية للتقدم إلى التنمية التي يقودها الخبراء والمختصون" كان من اللازم والحتمي إذن أن تحول المفاهيم النسبية إلى مفاهيم كونية مجردة، فالفقر يتحول إلى نقص المال اللازم لشراء الحاجات الضرورية للوصول لمرتبة الإنسان الكامل.. ومن ثم يصبح الفقر في أثيوبيا هو الفقر في نيويورك فالإنسان لابد أن يكون كاملا؛ أي متماثلا في كل مكان في هذا الزمان. هنا أًبح مفهوم الحاجات يستخدم كمبرر حتى للتدخل "فترومان" يقول: إن ثمة حاجة للتدخل من أجل إقرار السلام، الوصول إلى التقدم؛ فتصير الحاجة مبررا للاستعمار ويصبح التقدم مبررا للاستعباد. حتى لنسمع من يهاجم استقلال الجزائر الذي أفقد أهلها الجنسية الفرنسية، لقد صار الغرب هو المثل والحلم والتوقع النهائي. فرنسا وأوروبا بالنسبة للعرب ودول أفريقيا وآسيا. وأمريكا بالنسبة لأوروبا في خطية مذهلة ومدهشة. "التقدم الاقتصادي أصبح مشروطا بقدرته على خلق الحاجة داخل التجمعات السكانية الضخمة للحصول على الشهادات. وأصبحت قطاعات التعليم والصحة العامة والإعلام والإدارة البشرية
تناقش على
أساس أنها قطاعات "التخطيط البشري". ويمضي "إيليتش" فيعلن أن وهم المتفوق أصاب قادة الجماعات الجذرية الذين طوحوا أساسا بفكرة وعي الناس بحاجاتهم من أجل التقدم. وقبلوا فكرة التخطيط البشري التي تتضمن أساسا تشيؤ البشر.
لقد وضعت تأكيدات مستمرة على حوافز الأنشطة التي تشغل الناس في السوق السوداء والاقتصاد الموازي، والقطاع التقليدي، حتى التقليدية حولت إلى عيارية قياسية وبالتالي فقدت محتواها ومعناها الأصلي.
وهنا يقدم "إيليتش" تعريفا جديدا للتنمية فيقول: "يمكننا أن ننظر للتنمية بوصفها عملية إخراج الناس من معاييرهم الحضارية العامة. وفي خضم هذا الانتقال تذوب الروابط الثقافية بين البشر؛ حتى لو استمرت الحضارة في صبغ العملية التنموية بطرق سطحية".
ويخبرنا "إيليتش" أنه "مثلما مهدت فكرة التنوير عن التقدم الطريق لفكرة حتمية ما سيحدث، فإن إدارة التغير الاجتماعي باسم التنمية قد أعدت المناخ السياسي لإعادة تعريف الظرف البشري باستخدام مصطلحات السبرنتيكا أي بوصفها نسقا مفتوحا يتيح أفضل التصورات لصيانة الحصانة الداخلية للأفراد الذين تم اختزالهم إلى أنساق فرعية، ومثلما كانت الحاجات هي الشعار الهام الذي رفعه المديرون باسم محبة الإنسانية والمنطق الرحيم لتدمير الحضارات المتعددة، فالآن تحل المتطلبات الأساسية محل الحاجات من أجل تحقيق الهدف السامي الموحد الجديد أي استمرارية الأرض.
لقد تغير الإنسان الاقتصادي مرة ثانية، واتخذ شكل الإنسان النسقي. هذا الإنسان الذي يحتاج دائما لمن يديره ويحركه من الخبراء والمختصين والأكاديميين في شتى المجالات. ويا لها من فكرة مرعبة!!
لقد وضعت تأكيدات مستمرة على حوافز الأنشطة التي تشغل الناس في السوق السوداء والاقتصاد الموازي، والقطاع التقليدي< حتى التقليدية حولت إلى عيارية قياسية وبالتالي فقدت محتواها ومعناها الأصلي.
وهنا يقدم "إيليتش" تعريفا جديدا للتنمية فيقول:"يمكننا أن ننظر للتنمية بوصفها عملية إخراج الناس من معاييرهم الحضارية العامة. وفي خضم هذا الانتقال تذوب الروابط الثقافية بين البشر؛ حتى لو استمرت الحضارة في صبغ العملية التنموية بطرق سطحية".



