Wednesday, March 28, 2007


تحليل نص
اوعي تكلمني بابا جاي ورايا
تأليف الشيخ محمد يونس القاضي
تلحين الشيخ زكريا احمد



يمكننا ان نسمي هذا النص دليل المرأة الذكية الى الغواية و تحقيق الاهداف الخفية.بداية يجدر بنا ان نذكر ان مؤلف النص شيخ ازهري و ان ملحنه ايضا شيخ و من الملاحظ ان معظم المشتغلين بالموسيقى في هذا العصر كانوا من الشيوخ او ممن تتلمذ عليهم.ونذكر في هذا الصدد الشيخ ابو العلاء محمد والشيخ سيد درويش والشيخ درويش الحريري و الشيخ الذي تحول الى افندي وكان يلقب بكروان مصر و هو واحد ممن شدوا بنصنا هذا الذي نحن بصدد تحليله عبد اللطيف البنا و الشيخ امين حسنين وهو ايضا ممن تغنوا بهذا النص الذي يبدوا انه كان مقررا على المغنين جميعا
وهذا يجعلنا نتساءل عن سبب شيوع النص ونجاحه وهو ما سنحاول الاجابة عليه في طيات التحليل القادم
سنعتمد هنا اساسا على النص الذي غنته الست عزيزة حلمي او عزيزة المصرية
مدة هذه الاغنية 7دقائق و5 ثواني
من انتاج اسطوانات بوليفون
النص في شكل خطاب لمخاطب حاضر في الواقع غائب في النص. بمعنى ان النص هو تحذير ونصائح وشرح لشخص موجود نفهم هذا من البداية التحذيرية:
اوعى تكلمني بابا جاي ورايا
والتي تتكرر عدة مرات
يبدء النص بتحذير واضح وقد نفهم منه ان المتكلمة لا تريد هذا الفعل من المخاطب او تردعه
لكن الجملة التالية التفسيرية تضعنا في مجال آخر تماما
ياخد باله مني ويزعل ويايا
هي إذن لا تخوفه بوالدها ولكن تحذره من رد فعله عليها
وهي تؤكد هذا المعنى
بهذه الكلمة الامرية التساؤلية التحذيرية في الواقع والتي تحوي في ايجازها ابداع المراوغة اوالملاوعة التي نستحضرها من هذا التأرجح بين الحضور والغياب والتي نفهمها من سياق النص وطياته اكثر من وضوحه وكلماته
انها فعل الفهم في صيغة الامر
فاهم؟؟؟؟
والتي تردفها بقولها :اوعى تكلمني اي تشرح معنى فاهم لكي لا يكون له عذر
وهنا يتدخل صوت ما يسمى بالشوبش او المطيباتي الذي يقوم بتحية وتشجيع المطربة بقوله
ياروحي ياست عزيزة
هذا التدخل في هذا النص تحديدا مبرر جدا انه نص الدلع والمراوغة والحضور و الغياب في آن
انه ليس فقط تشجيع ولكن دلالته تتجاوز هذا الى وصف حالة المؤدي
وجعله ذائبا في الروح او بعبارة اخرى قمة في الحب والغرام
تكمل الفتاة مخاطبة الشاب الحاضر-الغائب فتقول
باردون يا عزيزي (يغنيها الشيخ امين يا حبيبي)بابا راجل آسي
على اهون حاجة يجرح احساسي

باردون هي طبعا الكلمة الاجنبية الشهيرة التي تنطقها بلكنة مصرية وتعني انا آسفة وهي هنا لا تعني التأسف على شيء فعلته ولكنها على العكس توضح وتتأسف عما لم تفعله
وعزيزي دلالتها في تصوري اقوى من حبيبي في اطار عملية الملاعبة والشد والجذب والحضور والغياب

انها ترفض الظهور معه ليس لشيء الا لأن والدها رجل شديد قاسي (آسي هي النطق القاهري للقاف وتلك نقطة توضح ان الفتاة تتكلم اللغات او تنطق العبارات الاجنبية الشهيرة و يعني هذا ارتفاع مستواها الاجتماعي وايضا انها مدنية وليست ريفية)و انه يقيم الدنيا ويقعدها لاقل شيء قد يراه في سلوكها
الرسالة الضمنية هنا هي انها من عائلة محافظة جدا و ان سلوكها لا غبار عليه ولا يمكن ان تمسه شائبة وهي تؤدي الى رسالة اعمق ستتضح لنا فيما بعد من كلمات النص عندما تصل الى التصريح بما تريده
انها تؤكد له فيما سيلي مدى شدة ابوها وقسوته و ايضا توضح له انها راغبة فيه غير ممانعة في معرفته
فتقول
يا سلام لو شافني وياك وعرفني
كان يعمل غارة ويلم الحارة
لو حرف امتناع لامتناع اي امتناع ماسيحدث كجواب للشرط لامتناع فعل الشرط ذاته يمعنى انها لا تمانع في السير معه
كما نفهم من كلمة وياك و لكن الاب الآسي لو عرفها وتحقق منها لقام بغارة و استخدام هذه الكلمة الموحية بما كانت الغارات تحدثه من اُار مدمرة وخاصة على المستوى النفسي مع حداثة العهد بالطيران واستخدامه في الحرب العالمية الاولى وهو الزمن التقريبي للنص و ستكون فضيحة كبرى لانه سيجمع اهل الحتة او الحارة حوله

الاصرار على اظهار الاب بهذه الصورة هو تأكيد على محافظة العائلة واحترامها للتقاليد و الاصرار ايضا على اظهار رغبة الفتاة وعدم ممناعتها هو تأكيد على مودتها وتطلعها للتعرف على الشابو هنا سنجد انفسنا امام ما يسمى بالحارة السد فما العمل إذن؟؟؟
هنا يأتي الحل او لنقل اولى خطوات الحل
بس ابعد عني متقفش معايا وخليك مستني عند الحواديا

انها تطلب منه في صيغة مرققة و فيها ود وتحبب نستشفه من كلمة بس التي تقال هنا امعانا في الدلع و المراوغة ودليلنا على انها ليست بس بمعنى كفى ان الامر يأتي في اطار نفي بعد ذلك وكأن فعل الوقو كان قد حدث وهي تود نفيه وتأمره بالابتعاد و يعزز هذا التصور قولها خليك مستني عند الحواديا اي انعطافة الطريق وكأنها تطلب منه ان يختفي وينتظر لا ان يبتعد ويمشي بلا رجعة
وكأنها استشفت انه سيتفوه بكلمة او سيجول بخاطره ان يسأل سؤالا تعاود التنبيه عليه بعدم التكلم ولكن في صياغة تنذر بالخطر الداني والمقترب
واوعى تكلمني اهه جاي ورايا
الاب القاسي الشديد الغضنفر المحافظ لم يعد مقبلا في الامكانية بل ان استخدام ظرف الزمكان اهه اي هاهو دليل على تحول هذه الامكانية الى واقع يقترب من الحدوث
و من ثم تعاود تكرار ما سيحدث و توضح انها لا تريد حدوث هذا ومرة اخرى سياسة الشد والجذب والمراوغة والملاوعة
و مرة اخرى تستشف انه قد يبتعد غاضبا او ينطلق لا يلوي على شيء او لنقل وكأنها احست بأنها لم تروضه بعد ترويضا كافيا
نراها هذه المرة تعرض عليه حلا اكثر جرأة و اكثرتقريبا له...انها تقول
احسن لنا نهرب ونزوغ بلطافة
انها تدعوه الى الابتعاد عن المكان و الانسلال بعيدا في حذر وهي سمة الزوغان و اللطف .مرة اخرى تدنيه بعد ان اقصته، بل انها تفسر له سبب الاقصاء مرة اخرى فالتكرار احسن وسيلة لتعليم الشطار!!!انها تقول
قبل ما يلمحنا ده عنيه شوافة

ولنتأمل هنا اللفظين التاليين والمتعلقين بفعل الرؤية ووصف العين اداة البصر والرؤية
يلمحنا و شوافة
انها تقول لصاحبنا :لن ينتظر الاب كي يرانا فيكفيه ان يلمح اي ان تخطف عينه منظرا نكون فيه معا
في فعل اللمح هذا تقابل كامل مع موقف الوقوف معا ويحمل في طياته كم من التحذير والوعيد ربما اكثر من هذا التحذير الصريح في كلامها عن عمل الغارة ولم الحارة. اكبر واكثر خطرا لأنه مضمر ومراوغ وغير واضح و لكنه محسوس و
التحذير موجود بقوة في غيابه هذا
ولتوكيد التحذير تصف عين الاب بصيغة المبالغة من فعل شاف انها شوافة ترى الابرة في كومة القش
انها جملة معادلة للبصر الحديد القادر على الرؤية عن بعد بل والاستبصار اي رؤية ماسيحدث اي انها تروع حبيبها وترعبه من قدرات ابيها و شدته
هذا الترهيب والوعيد يؤدي دورا ضمنيا ربما هو الدور الاهم كما سنتبين فيما بعد وخاصة عندما نصل معا لهدفها النهائي الذي سيتضح في الكوبليه الاخير
انه يؤكد على مدى محافظة الاسرة على القيم والتقاليد وعلى اخلاقيات الاسرة وعلى عراقتها
ولهذا السبب نراها تكمل
خايفة ليمسكنا وبعدين يهتكنا

ومرة اخرى تضفي على نفسها صفاتا من خلال المبالغة في رد فعل ابيها انها تخشى ان يفضحهم ويمثل بهم و هو الامر الذي نفهمه من كلمة
يهتكنا

ان فعل الهتك هذا شديد و فضائحي ويرتبط في الاذهان بفكرة هتك العرض والفضح و التقطيع
وكأنها تحذره من مغبة لمح الاب لهما معا وكيف ان هذا سيؤدي الى ما لاتحمد عقباه لكليهما

ثم تقفل الكوبليه و النصيحة بتفسير مرة اخرى

اسمح لي اقولك اختك خوافة
وليسمح لي القاريء ان اتمعن قليلا في كلمتين
اسمح واختك
اسمح الطلبية هنا تؤدي غرض الادب و الدلع في آن. انها لا تجبره على السماع بل تطلب منه ان يسمح لها بالقول و يتفضل عليها بالسماح لها بالكلام ....كأن اسمح تداعب غرور الرجل و ذكورته بعد كل التحذيرات و التهديدات المبطنة
ان اسمح هنا مدعومة بصيغة المبالغة خوافة تعيد لعبة الشد والجذب ولكن علينا ان نلاحظ ان هذه اللعبة التي من الواضح ان صاحبتنا تلعبها باتقان شديد يصل الى درجة الاحتراف او الحرفنة تنقل صاحبنا كل مرة الى مرتبة اعلى في العلاقة ومرة اخرى تمهد للغرض الختامي في هذه اللعبة

اختك هي لفظة كثيرا ما تستخدم في العامية المصرية للدلالة على القرب والحميمية والتي قد تكون من بقايا التعبيرات الفرعونية للدلالة على المحبة


وهي هنا تأتي في محلها تماما (خاصة عندما نرى النقلة القادمة في الكوبليه التالي )وتشير الى توثق العلاقة و تقريب الحبيب
وصاحبتنا بعد هذا الشرح والملاعبة تعاود التحذير و الطلب في آن
بس ابعد عني متقفش معايا وخليك مستني عند الحواديا واوعى تكلمني اهه جاي ورايا
و بعد ئذ تبدء هجومها والذي يأخذ شكل التساؤلات و الاستفهامات والغرض منها طبعا هو النصح والارشاد لافضل الطرق للوصول اليها والذي نعتقد انه كان هدفها منذ البداية كما اشرنا سابقا مرارا وتكرارا
فيها ايه لو شفته بالذوق وعرفته؟؟
تساؤل يذكرنا بتساؤل جرير في بيته الشهير الذي اعتبرته النقاد امدح بيت قالته العرب
الستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح؟؟؟؟
الاستفهام هنا خرج عن معناه الاصلي و اصبح طلبا فهي تدعو صاحبنا وصاحبها الى ان يتعرف على ابيها في مجلس ويتقرب منه بشكل حميمي ويصبح من اصدقائه وهو ما تؤكد عليه في البيت التالي
وعرفت اصحابه وطويت معرفته
فهي هنا تدعوه ليس فقط للتعرف على ابيها بل ومجالسته ومصادقة اصدقائه و كسبهم لصفه وكأنها تدعوه لان يصنع نوعا من جماعات الضغط على ابيها وهو الامر الذي يتأكد لنا من البيت التالي
يمكن لو شافك ترضيه اوصافك
اي ان الرؤية هذه المرة قد تكون بالخير وقد يرضى عنك بعد ان يعرفك ويعرف اوصافك وشمائلك
بل انها تمضي قدما في نصائحها وتخبره ان عليه الا يجزع من ابيها ان هب فيه او احب ان يظهر له العين الحمراء فكل هذا من قبيل التهويش اي لا جد حقيقي فيه وعليه ان يقبله فتقول له

وان هوش حبة اقبل تهويشته
ولكي لا يعتقد صاحبنا ان الامر قد صار ميسرا له تعاود التحذير
بس ابعد عني........وتكررها في اطار اللعبة الازلية التي تتقنها وصاحبنا المغلوب على امره يعتقد انه الغالب والمنتصر
ومن ثم نصل معا الى الكوبليه الاخير والهدف المنشود
ابعت لنا نينتك تبلف لنا نينتي
وان كان على مهري انا اجيبلك سيغتي
وابدلها بقشرة
ولا حدش يدرى
ونعيش في هناوة
عيشة برلنتي
اول مايسترعي الانتباه هنا هو ان صيغة الطلب والامر قد صارت مباشرة مما يوحي بأن الغرض الاساسي موجود هنا ولم يعد من المفيد اللجوء للمجاز او التلميح
ابعت لنا نينتك اي امك بالتركية ومرة اخرى دلالة على المستوى الاجتماعي للفتاة تبلف لنا نينتي اي امي
اي ارسل والدتك لتخطبني من امي وتطويها تحت جناحها و انا لا اعرف بالضبط اصل كلمة يبلف المستخدمة هنا لتعطي معنى الاقناع و التحايل ولكن الاكيد بالنسبة لي ان الصياغة بهذه الطريقة تعني ان المراد واضح يالنسبة للمتكلم
الفتاة تريد منه ان يخطبها بل وجعلت من هذ ا الغرض هدفها الاسمى و الذي من اجله اوضحت له ان اباها شديد محافظ وان اسرتها من مستوى اجتماعي عالي وانها راغبة فيه
هل هذا التصريح فقط لان الغرض واضح ولان المطلوب جليّ؟؟؟
اتصور ايضا ان الفتاة بطبعها تخشى من غباء الرجل وإذا كانت قد تلاعبت به لغرض في نفسها فهي لن تعطيه الفرصة للتحجج بعدم الفهم
ولذا تقول له
وان كان على مهري
انا اجيب لك سيغتي اي مصاغي وذهبي و قد جرت العادة في هذا العصر على تخفيف الصاد الى س في لفظة صيغة
وهي كما نرى تغلق عليه باب التهرب او التحجج فان قال لا املك مهرا ترد هاهو ذهبي مؤكدة مرة اخرى انها تشتريه وايضا على انها من اسرة راقية
وكأنها ايضا تلاعبه في هذه النقطة مجبرة اياه على ان يتحرك و يخلق المال الضروري كي يحظى بها
و امعانا منها في محاصرته وحتى لا يقول ان اخذه لذهبها قد يكشف علاقتهما نراها تغلق عليه هذا الباب وتسده سدا
فهي ستستبدل ذهبها ومجوهراتها باخرى زائفة تلمع لانها من قشرة الذهب ولن يدري احدا
وابدلها بقشرة ولاحدش يدرى
وكأنها تخبره ايضا في شكل رسالة ضمنية بأنها واسعة الحيلة وتبذل في سبيله كل غال ونفيس وكل هذا طبعا في اطار الوصول للغرض والهدف المنشود والذي نرى انها كانت تعرفه وتنشده منذ البداية
وهو ما يتأكد لنا في تقديري من الجملة الختامية التي تمثل الترغيب الاكبر و الهدف الامثل في آن واحد
ونعيش في هناوة عيشة برلنتي
انها تفضل االحياة معه على الذهب وتعتبر ان حياتهما معا في هناء مثل افخر انواع الماس او البرلنت الذي يضيء في يد من تلبسه كما اضاءت هي الطريق بوضوح لصاحبنا
وبعد هذا الترغيب الواضح والمد القوي
نراها تعود للملاعبة والابعاد فكل هذا هو في المستقبل و من ثم تعاود الصدود وتقول له
اوعى تكلمني
ختام
السؤال الذي طرحناه في البداية عن سبب نجاح الاغنية و ذيوع صيتها وان العديد من المغنين الكبار والصييتة كما كان يقال قد اداها مازال بلا اجابة
في تصوري ان الاغنية هذه تعبر بشدة عن روح العصر الذي ذاعت فيه
المرأة تخرج و تتعامل مع الرجال و العلاقات مع الجنس الآخر اصبحت اكثر يسرا وسهولة وثمة نوع من الانفتاح والتحرر لم يكن معهودا من قبل
مثلما نرى مثلا في نص مخدش غير اللي بحبه لنعيمة المصرية او في نص ارخي الستارة اللي في ريحنا لمنيرة المهدية او في نص الخلاعة والدلاعة مذهبي لام كلثوم
او في نصوص كثيرة لملكة الكخة والدحة رتيبة احمد وان كانت في عصر لاحق
لكن كون الاغنية معبرة عن روح العصر لا يمثل سببا كافيا لهذا النجاح في تقديري
اعتقد ايضا ان الاغنية كانت معبرة عن روح علاقة الرجل بالمرأة بشكل نستطيع ان نصفه بالتجاوز والاستمرارية
انها علاقة الشد والجذب والملاعبة والحوار والمد والصد ولهذا السبب ايضا نراها تستمر وتنجح
اعتقد ان اي نص ناجح يؤثر في نفس المستمع حسبما يتراءى لهذا الاخير و حسب حاله النفسية واتصور ان نصنا هذا قد نجح في تجاوز الحالة الخاصة الوحيدة ووصل الى قدر من العمومية و التجريد بالرغم من كونه محدد ووصفي وبسيط
بل اعتقد ان هذا قد حدث لانه محدد ووصفي وبسيط .والله اعلم

Thursday, March 08, 2007



تحليل نص يابلح زغلول يا حليوة يا بلح
من الحان سيد درويش











مقدمة تاريخية:
إبان ثورة 1919ادعت سلطات الاحتلال البريطاني ان الوفد المصري برئاسة سعد زغلول لا يمثل مصر و من ثم اوفدت لجنة "ملنر الشهيرة للتفاوض مع من ادعت انهم قيادات مصر.لكن الشعب قاطع هذه اللجنة تماما ونتيجة الثورة الشعبية العارمة و المقاطعة الفعالة للجنة اتخذت سلطات الاحتلال مجموعة من الاجراءات المجنونة المتعسفة كحال كل سلطات القهر في كل زمان ومكان.من ضمن هذه الاجراءات اعتبار ان مجرد ذكر اسم سعد زغلول جريمة يعاقب عليها بالحبس
ويتندر المصريون بحكاية ان سبب هذا القرار العجيب كان ان لجنة ملنر المذكورة كانت عندما تسال احد الباعة الجائلين عن سعر البضاعة التي ينادي عليها
يجيب بقوله :اسأل سعد باشا
لم يزعج هذا الفرمان الشعب المصري وبذكاء وحيلة الفلاح المصري الاصيل تحولت نداءات الباعة الجائلين الى نداءات على سعد باشا امل الامة
وكان اشهرها النداء على البلح
تلقف الشيخ سيد درويش هذا النداء وصاغه في نص رائع من اجمل اغاني فنان الشعب سيد درويش
وقد سجلته وقتها المطربة ذائعة الصيت نعيمة المصرية ومن المعروف انها كانت من اشهر مطربات الخلاعة والدلاعة وهي صاحبة اغاني
مثل ويكا يا ويكا وتعالى يا شاطر وكله الا كده و غيرهامن الطقاطيق والاغاني الخفيفة
وتحولت الانشودة الى رمز للثورة و صار النص علامة مهمة في تاريخ الموسيقى العربية
التحليل النصي القادم محاولة لفتح افاق هذا النص الجميل بشكل اكثر و هو اهداء للاصدقاء
وليد عبد الله و محمد مسعد والاخ الاكبر د. ابو الفتوح بك البدري الذي اهدانا النص في منتدى نهاوند
والصديق الشاعر الجميل عصمت النمر و الاخ الاكبر د.سعيد حسين وللاخ الجميل رؤوف المسيري

تحليل النص
تبدء الاغنية و مدتها 3 دقائق و 41 ثانية بمقدمة لحنية طويلة نسبيا تستغرق 43 ثانية وهي مقدمة نحس انها مستوحاة من نداءات الباعة الجائلين
بعدئذ يدخل صوت البائعة مناديا على البضاعة وهي البلح الزغلول
يا بلح زغلول
وهي تصف البضاعة بانها جميلة مستخدمة وصفا يقال عادة للآدميين وهو حليوة تقول
يا حليوة يا بلح
اي ان النص يشخصن البضاعة وهي الحيلة المستخدمة كثيرا في نداءات الباعة الجائلين ولكن في مقام هذا النص تلعب عملية الشخصنة دورا مختلفا ....فإذا كانت الشخصنة في نداءات الباعة الجائلين تستخدم لرفع قيمة البضاعة و تحبيبها وتقريبها للمشتري لدفعه للشراء
فهنا الشخصنة مطلوبة لذاتها و كلمة يا حليوة تصف ليس فقط البلح ولكنها ايضا تصف الشخص الكامن خلف البلح او خلف النداء زعيم الامة وقتها
سعد زغلول
بعدئذ يتكرر النداء ليس فقط للتوكيد كما هي العادة في نصوص الباعة الجائلين و لكن ايضا لاضفاء نوعا من الذيوع والانتشار على النداء المشخصن وكأن لسان حال البائع يقول هذا ليس مجرد منداء شخصي انه نداء الوطن باكمله
انه الشعار الذي ترفعه امة بكاملها في مواجهة حقيقية مع مستعمر حقيقي
ينتقل بنا النص بعدئذ الى مرحلة معتادة هي مرحلة وصف البضاعة وعادة ماتكون الاوصاف مبالغة تنقل النص الى مصاف النصوص المجنونة الا ان الاوصاف هنا لا تدخل في هذا النطاق
ان اول وصف هو
يا زرع بلدي

البلح زرع بلدي اي انتاج وطني و هنا نرى ان الوصف الذي عادة مايكون هو المعنى المراد الاحالة اليه هو في حالة نصنا هذا لازم المعنى الاصلي بل ان زرع هنا تستدعي للذهن لفظة اخرى في اطار الشخصنة هي لفظة ابن بلدي
ان وصف البلح الزغلول بانه زرع البلد هو المرادف لوصف سعد زغلول بأنه ابن البلد وممثلها
واملها وهو مايتأكد من الشطر الثاني في الكوبليه الوصفي هذا
عليك يا وعدي
عليك يا وعدي هي عبارة تعتبر مقلوب العبارة المعتادة وهي يا وعدي عليك التي هي عبارة تفخيم و اطراء
انها تعني يا جمالك ويا حلاوتك في معناها الاصلي
و رغم ان القلب لا يمنع ارادة المعنى الاصلي المعتاد بل ويصل الينا هذا المعني من ارتباط الكوبليه المتكرر ووصف يا حليوة يا بلح فيه الا ان المعنى المراد هنا وهو المعنى الضمني المتجاوز الذي يكتسب من السياق ومن عملية الشخصنة الاساسية قوة اكبر تجعله مرة اخرى المعنى الاساسي واللازم هو ان عليك قد وقع اختياري و انت وعدي وقدري ومصيري
ايها الزغلول المنشود انت املي في اشارة مرة اخرى لاغنية اخرى
مصرنا وطنا سعدها املنا وايضا هي من اعمال سيد درويش وغناها الكثيرين

الوعد هنا هو الامل والمصير ولكن يجب ان نستدرك هنا نقطة لا تغيب عن فطنة القاريء و لا اظنها غابت عن فطنة المستمع وقتها
وهي الجناس الناقص بين الوعد والوفد!!وكأن الوفد هو الوعد والامل
وهو مايتأكد ايضا من الشطر الثالث في كوبليه الوصف هذا
يا بخت سعدي
الشطر يستحضر السعد وعد بل و يجعلنا نفكر في سعد الوفد ايضا
وكأن لسان الحال في هذا الوصف هو ان سعد هو امل الامة وممثلها و قائدها
انه زرع البلد وابنها الجميل المنشود
وكأن الافراط في استخدام الكنيات و المفردات الشائعة عند الباعة الجئلين والاحالات والمستدعيات يحول النص في النهاية من المراوغة والتلميح والالتباس الى التصريح و الصراحة والوضوح
ولكل هذا يعاود النص النداء على البلح وكأنه يتحدى المحتل وقانونه الغريب قائلا نعم نحن نقصد سعد والوفد ولكننا ننادي على البلح وهيهات ان تستطيعوا ان تنالوا منا ....فهل كانت الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس تستطيع ان تلقي القبض على شخص بتهمة انه ينادي على البلح؟؟؟ او يغني اغنية بائعي البلح؟؟؟؟؟؟؟؟
ومن ثم ينطلق النص الى مزيد من التحدي فالنداء في الكوبليه الثالث و هو كوبليه الانتشار و التحول الى شعار صريح في كل مكان
عليك انادي في كل نادي
النص ينادي على زعيم الامة سعد زغلول في كل مكان نداء توكيدي يطالب بالافراج عنه و عن زملائه من اعضاء الوفد المصري ولكنه ايضا مازال يتلاعب بالمحتل و يسخر منه فما مازال ينادي على البلح
بالرغم من ان النص يختتم بعبارة تزيد الامر وضوحا
انت مرادي

الجملة اشارة تزيد الامر وضوحا رغم انه واضح وضوح الشمس
النص لا يتكلم عن بضاعة يريد البائع لها ان تجبر وان تباع
لا ان البلح الزغلول هو مراده وهو امله وكأن هذه الجملة هي الاشارة التي تمنع السامع من ارادة المعنى الاصلي وتجبره على رؤية النص في اطاره المشخصن
و ماتزال الاشارة مضمرة و لا تعطي الفرصة للمحتل الغاشم كي يضرب الشعب المقاوم
وهنا يعاود النص النداء على البلح عاكسا الترتيب مرة اخرى فيقول
زغلول يا بلح
لقد عبر النص عن رؤيته تماما ولم يدع مجالا للشك ان المنادى المقصود هو سعد زغلول زعيم الامة
بالرغم من هذا الوضوح الا ان النص ايضا مراوغ حذر ساخر وكأنه قد شرب كل تراث الفلاح المصري في مقاومة الطغيان وبدون ان يمكن الطغيان من فرصة للبطش به
انها قوة الضعف وعبقرية التخفي وراء السذاجة وجبروت اللين وعدم العنف
انها ادراك مقتضيات الحال وفهم الضرورة التي هي اسمى وارفع درجات الحرية والله اعلم