Friday, January 19, 2007

الجماعات الوظيفية
هذه التدوينة اهداء خاص للصديق العزيز الدكتور احمد داوود ابو ادهم

مقدمةضرورية

مفهوم الجماعة الوظيفية في تقديري هو من اهم ابتكارات
استاذي الكبير الدكتور عبد المسيري
وبالرغم من الشروحات العديدة التي قدمت لهذا المفهوم
سواء في كتابات الدكتور المسيري
او في عمله الفذ الكبير ....
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية
فانا لااعتقد ان المفهوم قد لاقى مايستحقه بعد من اهتمام علمي ، خاصة لو وضعنا في الاعتبار قيمته التفسيرية الهائلة في العديد من العلوم و قدرته على المساعدة على فهم العديد من الظواهر . بل و حل العديد من المشكلات وتطوير قدرتنا على التعامل معها
هذه التدوينة تأتي بناءا على طلب الاخ العزيز دكتور احمد داوود خاصة بعد ان لفت انتباهه تواجد مجتمع من اهل بنجلاديش بكامل عاداتهم وتقاليدهم في منطقة نائية بالقرب من جدة في المملكة العربية السعودية و تناقشنا في القصة و رأينا ان مفهوم الجماعة الوظيفية ممكن ان يستخدم لفهم طبيعة تكوين المجتمعات الثانوية المعزولة داخل المجتمعات الرئيسية ومن ثم يمكن ان يساهم كنموذج تفسيري في القاء الضوء على طرق مختلفة ومتعددة للتعامل مع الجماعات الوظيفية سواء الاثنية او الدينية او المهنية وحل المشكلات التي قد تنجم عن تكونهاواود بداية ان اشير ان الظواهر الحياتية والمجتمعية تتجاوز دائما النماذج التفسيرية والتحليلية فتركيبية الحياة اكبر بكثير من تبسيط اي نموذج
ومن ثم فالمحاولة المتواضعة هنا لتقديم هذا المفهوم الهام من زوايا متعددة تبقى في اطار المحاولة والاجتهاد فقط وليست من نوعية تقديم النموذج الجامع المانع النهائي وخاصة انني لست من المؤمنين بهذه الرؤية
نظرة تاريخية على المفهوم
من اوائل الفلاسفة الذين استخدموا المفهوم بقدرة عالية وان لم يحدده ويعرفه سنجد
الفيلسوف الالماني الكبير كارل ماركس
و يتضح ذلك بجلاء في كتابه الذي رد على كتيب
الفيلسوف الالماني الآخر برونو باور
الا وهو كتاب المسألة اليهودية
ON THE JEWISH QUESTION
في هذا الكتاب اوضح ماركس ان اليهود قد بقوا وفقا للحاجة التاريخية ردا على مقولة باور والهيجليين الشباب ان اليهود بقوا بالرغم من التاريخ . وقدم ماركس تصورا مهما لفكرة الضرورة التاريخية التي جعلت المجتمعات الاوروبية تحتاج لوجود اليهود بها للقيام بالاعمال الضرورية وغير المرغوبة ( او كما اسميتها انا في دراسة اليهود والسنيما المطلوب غير المحبوب).
بالرغم من عدم استخدام ماركس للمصطلح المحدد الا ان فهمه للدور الذي لعبه اليهود في تاريخ المجتمعات الاوروبية كان مقاربا جدا لمفهوم الجماعة الوظيفية.

ايضا من المفكرين المهمين الذين استخدموا المفهوم وان بشكل غير محدد و لم يحاولوا استكشاف تبعاته على مستويات متعددة استكشافا كاملا سنجد المفكر الفرنسي وابو علم الاجتماع الحديث
اميل دوركايم
ففي كتابه الهام تقسيم العمل في المجتمع
De la division de travail social
يطرح مجموعة من الافكار الهامة عن تقسيم العمل الاجتماعي واثاره على الفرد والدور الوظيفي للتجمعات و ايضا يطرح ولاول مرة مفهوما هاما له اثار مهمة على علم الاجتماع الحديث هو مفهوم الآنومي
Anomie
او انعدام المعايير وفقدان العلاقات المنضبطة نتيجة خلل في الاداء الاجتماعي وتغيرات اجتماعية كبيرة .
من الذين تأثروا باعمال وفكر اميل دوركايم سنجد المدرسة الوظيفية في علم الانثروبولوجية و من اعلامها
رادكليف براون البريطاني
الذي استخدم مصطلح الانثروبولوجية الوظيفية وكرسه.
وتلميذه ايفانز بريتشارد الذي درس في مصر .
وبرونيسلاف مالينوفسكي.

ايضا يمكننا النظر الى طروحة فرويد في كتابه موسى والتوحيد
Moses & Monotheism
باعتبارها تنتمي بشكل ما الى فكرة الجماعة الوظيفية ،خاصة لطرحه فكرة ان اليهود كشعب او جماعة منعزلة كانت تتمتع بثقة شديدة في نفسها و خيلاء بالرغم من حالتها المزرية و ان هذا يعود لانعزالهم عن غيرهم. وهي كلها صفات سنجدها بوضوح في الجماعة الوظيفية.
والجدير بالذكر ان هناك آخرين في العديد من المجالات العلمية والحقول المعرفية تكلموا عن المفهوم وبدون تحديد نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر فيبر و سكينر و روجرز .

تعريف

يحدِّد الدكتور المسيري مفهوم الجماعة الوظيفية بأنها جماعة يستوردها المجتمع من خارجه أو يجنِّدها من داخله، تُعرَّف في ضوء وظيفتها، لا في ضوء إنسانيتها الكاملة، ويَكِل المجتمع إليها وظائفَ لا يضطلع بها عادةً أعضاءُ المجتمع، إما لأنها مُشينة (البغاء ـ الربا)، أو متميِّزة وتتطلب خبرة خاصة (الطب والترجمة)، أو أمنية وعسكرية (الخِصْيان ـ المماليك)، أو لأنها تتطلب الحياد الكامل (التجارة وجمع الضرائب). ويتسم أعضاء الجماعة الوظيفية بالحياد، وبأن علاقتهم بالمجتمع علاقة نفعية تعاقدية، وهم عادةً عناصرُ حركية لا ارتباطَ لها ولا انتماء، تعيش على هامش المجتمع في حالة اغتراب، ويقوم المجتمع بعزلها عنه ليحتفظ بمتانة نسيجه المجتمعي. وأعضاء الجماعةالوظيفية عادةً من حَمَلة الفكر الحلولي والعلماني الشامل.
وقد استخدم الدكتور المسيري هذا النموذج في تحليل تاريخ الجماعات اليهودية ووضعها وانتماءاتها الثقافية. وهو يقدم مفهوم «الجماعة الوظيفية» باعتباره أداةً تحليلية أكثرَ تفسيريةً وتركيبيةً من مفهوم «الطبقة» التقليدي.

آليات تكونها
تحتاج المجتمعات دائما الى من يقوم باداء هذه الوظائف الضرورية والتي لا غنى عنها ولكن التي يأنف اعضاء المجتمع الاصليين المستقرين وخاصة في اطار المجتمعات الزراعية او الريعية بصفة عامة .(مفهوم الاقتصاد الريعي طوره بشكل رائع العالم الاقتصادي المصري الكبير سمير امين ويمكن الرجوع لكتاباته حول هذا الموضوع مثل الاقتصاد السياسي للتنمية وفي مواجهة ازمة عصرنا) وعادة مايتم استيراد اعضاء الجماعة الوظيفية للقيام بهذه الاعمال.
مثلما حدث في المانيا ومعظم دول اوروبا في الخمسينات والستينات .
ومفهوم الاستيراد هنا بمعنى ان يصبح المجتمع منطقة جلب للعمالة من مناطق فقيرة بصفة عامة .
ومن آليات الاستيراد ان يتحول الفرد المنتقل الى نقطة جذب ومركز ثقل في منطقته الاصلية ويبدء في نقل اعضاء من مجتمعه الاصلي الى المجتمع البديل وبنفس تقاليدهم واعرافهم وعادتهم وهكذا تتكون جماعة شبه منعزلة داخل هذا المجتمع. واكبر مثال على هذا الاحياء الصينية في العديد من الدول وايضا احياء اليهود او الجيتو و كذلك الاحياء الخاصة بالتجمعات السكانية القادمة من شبه القارة الهندية في دول الخليج بل ويمكننا ايضا ان نضيف اليها الاحياء العربية او ذات الطابع العربي الشامي( بالمعنى العام لكلمة شام ) في دول المهجر سواء امريكا اللاتينية او غرب افريقيا او استراليا. وكذلك الاحياء الفقيرة التي يقطنها المهاجرين العرب من شمال افريقيا في دول اوروبا الغربية وخاصة فرنسا( البانليو) و هولندا و بلجيكا...
بمعنى ان اول الآليات هي وجود مجتمع مستقر اقتصاديا (تاريخيا المجتمعات الريعية الزراعية كانت اكثر استقرارا من المجتمعات الرحالة ) و حدوث عملية استيراد وانتقال للعمالة للقيام بادوار ووظائف يريدها المجتمع فهي ضرورية لوجوده وتماسكه ويأنف افراده من القيام بها لاي سبب كان او لا يستطيعون القيام بها ايضا مهما تعددت الاسباب.

بعد أن يتم استيراد أو تجنيد العنصر الوظيفي يدخل أعضاء المجتمع المضيف‏,‏ مع أعضاء الجماعة الوظيفية‏,‏ في علاقة تعاقدية نفعية محايدة رشيدة واضحة ،ويقوم كل طرف في العلاقة بحوسلة الطرف الآخر‏(‏ أي يحوله إلي وسيلة‏)‏ والنظر إليه باعتباره وسيلة لاغاية‏,‏ باعتباره مادة نافعة يتم التعامل معها بمقدار نفعها‏.‏ ويحتفظ أعضاء المجتمع المضيف وأعضاء الجماعة الوظيفية بمسافة فيما بينهما‏,‏ فيقوم المجتمع المضيف بعزل أعضاء الجماعة الوظيفية ويمارسون هم إحساسا عميقا بالغربة‏‏.

وعادة يعرف مجتمع الأغلبية عضو الجماعة الوظيفية من خلال وظيفته وحسب.‏ وينتج عن هذا الوضع انفصال أعضاء الجماعات الوظيفية عن الزمان والمكان الذين يعيشون فيهما‏,‏ ومن ثم غالبا مايرتبط أعضاء الجماعة الوظيفية عاطفيا بوطن أصلي‏ او مركز روحي او حضاري(‏ صهيون ـ الصين ـ القبيلة ـ العائلة‏)‏ يصبح موضع ولائهم وحبهم وعاطفتهم ويتمركزون حوله ويتحول الى عنصر اساسي في تركيبة ذات الفرد المنتمي لهذه الجماعة اوتلك . ‏
(‏ مركب الشعب المختار المنفي أو الشعب العضوي المنبوذ‏ اوالفرد الافضل الذي تم عزله لتميزه)
,‏ ولكن الجماعة الوظيفية‏(‏ والوظيفة ذاتها‏)‏ هي‏,‏ في واقع الامر‏,‏ موضع الولاء الفعلي والمباشر لعضو الجماعة الوظيفية‏,‏ فهي أساس وجوده وهويته‏.
إلا أن المعجم الحضاري لأعضاء الجماعة الوظيفية لايختلف في واقع الأمر عن معجم مجتمع الأغلبية إلا في بعض التفاصيل الخاصة‏,‏ فهم آلة لا وطن لها اسما‏,‏ ولكنهم يعيشون فعلا في المجتمع المضيف‏,‏ يؤدون وظيفتهم فيه بشكل يومي‏,‏ ومن ثم فهويتهم هوية وهمية‏.‏ ويطور طرفا العلاقة‏(‏ أعضاء الجماعة الوظيفية والمجتمع المضيف‏)‏ رؤية أخلاقية ثنائية‏,‏ فما يسري علي الواحد من قيم أخلاقية مطلقة لايسري علي الآخر‏,‏ باعتبار أن الآخر في هذه العلاقة يقع خارج نطاق الحرمات والمطلقات الأخلاقية وباعتبار أن الجماعة الوظيفية شعب مختار‏,‏ ويحاول كل طرف تعظيم منفعته ولذته مستخدما الآخر‏.‏ لكل هذا‏,‏ يتسم أعضاء الجماعة الوظيفية بالحركية البالغة‏,‏ وهذا أمر مرتبط بكونهم عنصرا نافعا وألة يمكن نقلها من مكان إلي آخر.
ثاني آليات تكوين الجماعة الوظيفية هي آلية التجنيد و هنا نجد ان جماعة الاغلبية تبدء في اسناد وظائف محتقرة او غير مرغوب فيها او صعبة و لكنها ضرورية الى جماعات الاقلية ،سواء كانت هذه الجماعات اقليات عرقية اصلية ( مثلا الالبان في صربيا و كرواتيا حيث كانت تشيع بينهم مهن الخباز والحلاق وهي مهن مرتبطة في العالم كله باعضاء الجماعات الوظيفية ربما لاحتياجها لمهارات خاصة وربما ايضا لاحتقار الاغلبية العاملة بالزراعة المستقرة لها واعتبارها مهنة غير حقيقية) او اقليات دينية (مثل الاقباط في مصر الذين لعبوا على مر العصور دور الجماعة الوظيفية مثل الكاتب او المحاسب او الحلاق وغيرها وايضا ربما يعود هذا الى احتياج هذه المهن لمهارات خاصة ورغبة الاقلية في التميز او لرفض الاغلبية للمهن هذه او للاسباب السالفة مجتمعة) او حتى اقليات جنسية ( في هذا الصدد يمكننا ان نضرب مثال النساء الجامعيات في دول الخليج ففي المجتمعات المغلقة الآخذة في الانفتاح تجد المتعلمة نفسها
معرضة لحالة من التناقض الوجداني فمن جهة احتقار وازدراء مجتمعي ومن جهة اخرى انبهار و خوف
و في نفس الوقت تزداد تطلعاتها و بالتالي تبدء في استدماج دور الرجل
اي تبدء في رفض الرجل على اساس تفاضلي
لاثبات تفوقها
وهنا او في هذه النقطة تحدث عملية الحلول الكموني التي ذكرها الدكتور المسيري واشار اليها فرويد ويحدث نوع من استقرار لوضع يشابه كثيرا حالة الجماعة الوظيفية المجلوبة او المستوردة) او اقليات سنية او بمعنى ادق جماعة سنية مستضعفة مثل الصبية او صغار السن الذين يستخدمون عبر آلية التجنيد لاداء الاعمال المحتقرة و توفير رصيد احتياطي لسوق العمل وخاصة في حالات التحول الاجتماعي وتزايد الآنومي وفقا رأي دوركايم( هذا يفسر لنا بشكل او بآخر تزايد ظاهرة اطفال الشوارع في المجتمعات الانتقالية كما حدث في البرازيل مثلا قبل التحول الديمقراطي او كما يحدث في مصر الآن) .
بمعنى ان حاجة المجتمع لاداء وظيفة معينة ترفضها اعرافه المستقرة نتيجة طبيعته كمجتمع ريعي بشكل او بآخر تجعل هذا المجتمع يلجأ لاستيراد افراد يقومون بهذا الدور
وهنا يجدر بنا ان نتوقف قليلا لتبيان كيف استوردت اوروبا في الخمسينات والستينات العمال غير المهرة من تركيا و الدول العربية و شبه القارة الهندية وافريقيا السمراء و كيف اعيد ادماجهم داخل المجتمع وكيف ايضا تتساءل حاليا عن الكيفية التي يمكن بها استدماج هؤلاء المهاجرين المستوردين اي كيف يمكن تجاوز رؤيتهم لذاتهم كجماعة وظيفية مستضعفة ؟؟؟؟
و هذا يوضح لنا ان المجتمعات المفتوحة التي تسمح بقدر كبير من الحراك الاجتماعي والطبقي تحاول دائما التغلب على رؤية الاقلية لذاتها او رؤية الاغلبية لها كجماعة منعزلة وظيفية خوفا من المشاكل التي يمكن ان تنجم عن مثل هذا التصور واهم هذه المشاكل ما حدث في اوروبا في اواسط القرن العشرين من قتل و تحريق وتعذيب للاقليات على يد النازي سواء كانت اقليات عرقية مثل الغجر او اقليات دينية مثل اليهود او اقليات جنسية مثل المثليين.

او يقوم المجتمع وغالبا في حالة ازمة انتقالية او تغيرات حادة او آنومي باستخدام الآلية الثانية لتكوين الجماعة الوظيفية الا وهي التجنيد من وسط اقلياته الاصلية المستضعفة غير المستجلبة ولا المهاجرة سواء كانت اقلية دينية او عرقية اثنية او جنسية او سنية عمرية.




الجماعة الوظيفية في التراث الشعبي والادب والفن

يتم استدماج الجماعة الوظيفية سواء بشكلها المهني ( الحلاق مثلا او الكاتب او الفران) او بشكلها الديني ( واشهر الامثلة بالتأكيد هي اليهودي و ايضا سنجد القبطي المصري كما سنرى ) او بشكلها الجنسي ( المثليين او النساء) او العرقي ( الغجر ) في شكل شخصيات نمطية متكررة ذات خصال ثابتة في الادب الشعبي والفولكلور وتنتقل عبر الشفاهي الى الادب المكتوب و الاعمال الفنية وتكتسب قيمة تصل احيانا الى قيمة الرموز او الانماط الاولية اليونجية مثلما الحال
في شخصية اليهودي التائه

من امثلة الجماعة الوظيفية المهنية التي تكرر ذكرها في آداب وتراث الشعوب سنجد الحلاق . و مثاله الشهير حلاق بغداد الذي ورد ذكره في الف ليلة وليلة و حلاق اشبيلية الشهير الذي ورد ذكره في العديد من الاعمال الادبية والفنية نذكر منها على سبيل المثال اوبرا زواج فيجارو.
كذلك الفران او الخباز و سنجده كمثال متكرر في الفولكلور والادب الشعبي مثلا في قصة هانزل و جريتل عند الاخوين جريم. او في الفولكلور الشعبي الروسي في قصة زوجة الفران المجنونة او كيف سخر الفران من السيد.
او شخصية الحمال التي نجدها في قصة الحمال والثلاث بنات في الف ليلة وليلة او شخصية الكاتب التي قدمتها السنيما المصرية في امثلة كثيرة من اشهرها ربما ابو حلموس لنجيب الريحاني وغيره من الافلام وسنلاحظ هنا اجتماع الجماعة الوظيفية المهنية مع الجماعة الوظيفية الدينية فالكاتب هنا قبطي و المفارقة ان نجيب الريحاني المسيحي لعب دور الكاتب المسلم و لعب شرفنطح المسلم دور الكاتب التقليدي في الدائرة الاخرى المسيحي.
وسنجد ذكر لمثل هذا ايضا في العمل الشهير للشيخ يوسف الشربيني
"هز القحوف في شرح قصيدة ابي شادوف".


من امثلة الجماعة الوظيفية الدينية سنجد اشهرها طبعا
اليهود
و ايضا سنجد مسيحيي الشام و الاقباط في مصر و المسلمين في اوروبا في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.
قصة اليهودي التائه ( وهي ايضا من امثلة التزاوج بين المهنة والديانة حيث انه اسكافي) هي اشهر الامثلة بالطبع.
لكن يمكننا ايضا ان نذكر
مسرحية يهودي مالطة لكريستوفر مارلو او تاجر البندقية لشكسبير وفي الدراما العربية والقصص الشعبي يمكننا ان نذكر علي الزيبق
و ايضا الصورة النمطية لليهودي في الدراما العربية المرئية.
بخصوص مسيحيي الشام سنجد ان الف ليلة وليلة تذخر بشخصية الطبيب المسيحي كما في قصة الملك عمر النعمان و ولديه شركان وضوء المكان و شخصية كاتب الميناء المسيحي كما في قصة علاء الدين ابي الشامات و زوجته مريم الزنارية..و كذلك سنجد في ملحمة الظاهر بيبرس شيئا مشابها للدور التقليدي الوظيفي للمسيحي من اهل الشامبخصوص اقباط مصر فاشهر مثال طبعا هو هز القحوف في شرح قصيدة ابي شادوف سالف الذكر ومنه الجملة الشهيرة
حين يقول الاب لولده معيط :
بكرة تكبر يا معيط و يعلو مقامك وتقعد مع نصراني القرية وتقول له يا سيدي و يقول لك يا عرص
من امثلة الجماعة الوظيفية على اساس جنسي في الادب سنجد ان الف ليلة وليلة تذخر بقصص المثليين الذين يؤدون دورا ترفيهيا و كذلك سنجد فصول بكاملها عن هذا في كتب مثل
نزهةالالباب للتيفاشي
او كتاب
الروض العاطر في نزهة الخاطـر للنفزاوي
وتلك مجرد امثلة.

وكذلك سنجد في الف ليلة وليلة و الملاحم مثل علي الزيبق والظاهر بيبرس امثلة عن الجماعة الوظيفية العمرية او السنية كمثل دور العجائز او كبار السن في القيادة او السحر او خدمة البيوت.
بخصوص الجماعات الوظيفية العرقية في الادب فطبعا الحي الصيني في السنيما اشهر من ان يختفي و كلنا نذكر الفيلم الشهير
الحي الصيني
وطبعا الغجر ودورهم كنشالين او سحرة و هو مانجده حتى في قصص تان تان الشهيرة مثل قصة مجوهرات بيانكا كاستافيورا

ومن اجمل العبارات الفنية التي تلخص الموضوع برمته عبارة قالها
الممثل والمخرج والكوميدي الامريكي اليهودي الشهير مل بروكس
في فيلمه الجميل (من اخراج الان جونسون)
نكون او لا نكون

اعادة انتاج لفيلم ساخر آخر من الاربعينات وهو
من اخراج ارنست لوبيتش المخرج الالماني الامريكي اليهودي.
حين بلغ الممثل البولندي الكبير دكتور فيكتور برونيسكي والذي يلعب دوره في الفيلم مل بروكس ان الرقابة النازية تمنع الاشارة الى المثليين و اليهود و الغجر قال
"كيف لنا ان نصنع دراما دون يهود و لا مثليين ولا غجر"
عبارة تلخص كل شيء
السؤال المشروع جدا هو لماذا ؟؟؟
الاجابة في تقديري بسيطة ومركبة في آن
بسيطة بمعنى ان هذا التحويل والاستدماج في المخيلة يساعد الاغلبية على استدماج الجماعة الوظيفية والتعامل معها
و هي مركبة ايضا لانه على مستوى ثان هذا الاستدماج في المتخيل الجمعي يؤدي الى تكريس انفصال الجماعة الوظيفية عن ما يسميهم الاغلبية الاسوياء وبالتالي يزيد في عزلة الجماعة الوظيفية وانفصالها عن المجتمع فكأن الآلية التي تؤدي الى الاستدماج و اندماج الجماعة الوظيفية هي ذاتها الآلية التي تحافظ على الانفصال والانعزال وتكرسه
بل ان الامر اكثر تعقيدا فالاغلبية المجتمعية تسخر من الجماعة الوظيفية وتصورها في شكل موطن الشر واصل الخطيئة
بينما هي في الواقع تحتاجها لتؤدي ادوارا عديدة مرفوضة ومحتقرة وانما مطلوبة وضرورية ومن ثم فعند امعان النظر في آلية تخييل الجماعة الوظيفية واعادة انتاجها في صور نمطية في الادب والفن و الحكيّ بشكل عام سنجد انها آلية شد وجذب
اي انها تعمل تحديدا على الابقاء على الجماعة الوظيفية داخل المجتمع لتأدية دورها وهو ما عبر عنه ماركس كما اسلفنا بان اليهود بقوا في خدمة التاريخ
دراسة الجماعة الوظيفية

اود ان اشير الى نقطة هامة استرعت انتباهي حين بدءت التحصير لهذا المقال الا وهي ان الكثير ممن ذكروا المفهوم ولو تعريفا هم
بشكل او بآخر من اعضاء الجماعات الوظيفية
ربما يتأتى هذا لعضو الجماعة الوظيفية لانه قادر اكثر على سبر الجماعة من الداخل وايضا لانه كمنتمي للجماعة الوظيفية يصبح اكثر قدرة على التجرد من مشاعره تجاهها وهو ما نجده واضحا جدا في الكوميديانات اليهود بدءا من ليني بروس ومرورا بوودي آلان و مل بروكس وانتهاء بجيري ساينفلد وساشا بارون كوهين وكلهم يسخرون بشدة من اليهود واليهودية.

خاتمة
حاولت هنا ان اعيد المفهوم
الى مجال العلم
واخرجه من مجال السياسة
والنضال
بمعنى آخر احاول ان استعيد مفهوم ونموذج معرفي شديد الاهمية في تقديري
من براثن
موضوعات الانشاءاجتهدت على قدر امكانياتي و ارجو ان يكون قد حالفني التوفيق و الله اعلم .